تستحق المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تحية وتقديرا كبيرين لشجاعتها الفائقة وإصرارها على أن تأخذ الموقف الصحيح والقرار الصحيح مهما يكلفها ذلك من تضحيات يمكن أن تشمل تخليها عن منصبها كمستشارة لألمانيا ترأس السلطة التنفيذية لأقوى الاقتصاديات الأوروبية وأكثرها التزاما بوحدة القارة الأوروبية واستقلال قرارها السياسى، لقد أعلنت ميركل تخليها عن منصب المستشارية مع نهاية ولايتها الحالية التي تستمر حتى عام 2021، ثمناً لقرارها الشجاع بأن تفتح أبواب ألمانيا لاستقبال مليون مهاجر وطالب لجوء سياسي معظمهم من السوريين والأتراك إبان أزمة الحرب الأهلية السورية عامي 2015/2016، حيث أعلنت المستشارة ميركل قبول ألمانيا مليون مهاجر سوري رغم مخاوف دول أوروبية عديدة أغلقت أبوابها تحت ضغوط أحزاب وجماعات شعبوية وعنصرية تعادى هجرة الجنوب إلى الشمال، لم تأخذ أنجيلا ميركل هذا القرار الشجاع، فقط تحت ضغوط الاعتبارات الأخلاقية الإنسانية ولكن لأن ألمانيا كانت تعاني نقصاً فادحاً في قوتها العاملة يمكن أن يؤثر على قدرتها الاقتصادية وحجم صادراتها الصناعية إلى الخارج.
وقد أصابت ميركل الهدفين بحجر واحد ولم تستسلم للتحذيرات العديدة التي كانت تستهدف إخافتها من وجود جماعات متطرفة وسط هؤلاء المهاجرين تُريد الشر لأوروبا، منذ هذا التاريخ وميركل تعاني تراجع شعبيتها تحت ضغوط الشعبوية التي تكتسح الأنظمة الأوروبية، تشدها نحو اليمين المتطرف وتجبرها على أن تتنكر لكثير من المبادىء التي سادت الفكر الأوروبي، وبينها حق الهجرة والقبول بالتنوع والاعتراف بالآخر ورفض المجتمعات المُنغلقة على نفسها، ورغم أن الألمان الذين كانوا يعانون نقصا فادحا في العمالة استطاعوا من خلال الهجرة تعويض هذا النقص، توالت نجاحات الشعبوية واليمين المتطرف مستغلة المخاوف التي تثيرها أزمة المهاجرين لدى الرأي العام الألماني لتأكل من شعبية المستشارة الألمانية التي تمسكت بموقفها من اللاجئين، وكانت أنجيلا تتوقع أن يكافئها العالم بمنحها جائزة نوبل للسلام لكن المفاجأة الحقيقية حدثت في انتخابات مقاطعة بافاريا قبل أسبوعين، حيث لقى الحزب البافاري الاتحاد المسيحي المتحالف مع حزب ميركل الاتحاد الديمقراطي المسيحي هزيمة صعبة، أعقبها هزيمة أخرى ثقيلة لحزب ميركل، الاتحاد الديمقراطي المسيحي في منطقة هيسن، ومنذ هذه اللحظة بات واضحاً للمستشارة ميركل أن حزبي التحالف الحاكم يغرقان معاً، وأن الحل الصحيح والكريم أن تعترف المستشارة بالأمر الواقع، وتعلن تخليها عن منصب المستشارية، وتأخذ موقفاً مبدئيا تعلن فيه أنها لن تترشح لهذا المنصب بعد نهاية ولايتها.
والواضح أن القاهرة كانت تدرك قبل أسبوعين، عندما لقى الحزب البافاري حليف المستشارة ميركل وشريكها في الحكم هزيمته الثقيلة فى الانتخابات البافارية الأخيرة، لكن الرئيس السيسي أكد منذ اللحظة الأولى أنه سوف يلبي دعوة ميركل رغم الظروف السياسية الصعبة التي يمر بها حزبها بسبب قضية الهجرة وأن من واجب مصر أن تُلبي الدعوة، لأن ميركل تعنى بالنسبة لمصر صديقا ًحقيقياً فضلاً عن موقفها من قضية الهجرة، ولأنها سوف تبقى أبداً رمزاً حياً لوحدة القارة الأوروبية واستقلال قرارها، وبالطبع يدخل ضمن حسابات الرئيس السيسي أن العلاقات الألمانية المصرية مستمرة وتزداد قوة، وأن ألمانيا تمثل بالنسبة لمصر سنداً قوياً وقوة مضافة ينبغي البناء عليها، ومن المؤكد أن ما حدث لميركل بسبب الشعبوية التي تغزو أوروبا يمثل تحذيراً مهماً للرئيس الفرنسي ماكرون لأن صعود أحزاب اليمين المتطرف في ألمانيا وفرنسا يمثل مصدر قلق حقيقيا على وحدة القارة الأوروبية واستقلال قرارها، وربما لا ينسى كثيرون عناوين الصحف الألمانية عام 2013 عندما أعلنت ميركل أن المخابرات الأمريكية تتنصت على مكالماتها التليفونية.. ومع نهاية ولاية ميركل 2021 تكون المستشارة الألمانية التي تولت منصب المستشار عام 2005 قد أمضت 16 عاماً في حكم ألمانيا، سُميت خلالها أقوى امرأة في العالم برقم قياسي للمرة العاشرة، وأطول رئيس حكومة خدمة للاتحاد الأوروبي، وهي في الأصل عالمة أبحاث سابقة تحمل شهادة دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية، وقد بقيت طوال فترة حكمها صديقة لمصر وللرئيس السيسي، ساعدت مصر في مواقف عديدة تستحق الشكر والتحية.
الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري