شهدت المملكة العربية السعودية يوم الأربعاء الماضي حدثاً مهماً طال انتظاره على مدى أربعين عاماً، حيث تم افتتاح أول صالة عرض سينمائي في عاصمتها الرياض، إثر قرار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان برفع الحظر عن إنشاء دور السينما في المملكة، ضمن سلسلة من عدة قرارات إصلاحية استهدفت فتح نوافذ الحرية والتحديث في المملكة، وتوسيع حق المواطن السعودي في الرفاهية والترفيه، ووصل ثقافات العالم المختلفة، وتعزيز قدرات المجتمع المدني السعودي على تطوير جميع مناحي الحياة، من خلال أدوات ثقافية جديدة تعزز التواصل بين الأمم والشعوب، لها تأثيرها الواسع والضخم على المجتمعات الحديثة.
والحق أن واقع الحياة السعودية كان قد سبق كثيراً هذه الخطوة المهمة بانتشار أفلام الفيديو وشيوع محطات التلفزة التي أشاعت استخدام أفلام السينما وشرائط الفيديو والمسلسلات، كما أشاعت الأعمال المسرحية المهمة، حيث أصبح حظر افتتاح دور عامة للسينما عملاً بغير معنى!، وما من شك أن السماح بإنشاء دور عرض عامة لأفلام السينما في المملكة يُشكل نقلة نوعية مهمة، تزيد قدرة الإنتاج السعودي على دخول سوق محلية وإقليمية وعالمية لصناعة السينما، بما يمكن السعودية من أن تجعل صناعة السينما العربية جزءاً مهماً من صياغة إبداعات جديدة، تعالج الكثير من المشكلات الاجتماعية، وتزيد وعى المجتمع بهذه المشكلات، وتفتح آفاقاً جديدة لحلول هذه المشكلات، لأن السينما والمسرح تُمثل أدوات جماهيرية أوسع تأثيراً من الكتاب والصحيفة، لها أثرها النافذ في العقل العربى، إن نجحت في مخاطبة مشكلات المجتمع عبر أعمال فنية ناجحة تقوم على التذوق والإبداع، تستغنى عن الخطاب المباشر الذي يقوم على التلقين والموعظة..، وربما يتخوف البعض من بعض قيود الرقابة على المصنفات الفنية في المملكة وآثارها السلبية على العمل الإبداعي، لكن المجتمع المدني السعودي قد اختلف كثيراً وبات ينهض على تلبية حاجات طبقة متوسطة عريضة ترقي قدراتها وأذواقها إلى مستويات جد رفيعة، فضلاً عن شرائح الشباب دون الأربعين عاماً التي تُشكل نسبة تزيد على 60 في المائة من حجم المجتمع، يُشكل المثقفون والمتعلمون وخريجو الجامعات الأجنبية جزءاً واسعاً من شرائحه العليا التي أحسنت التعايش مع جهود التنوير فترة وجودها في الخارج، هؤلاء هم أكثر الفئات تأثيراً في المجتمع السعودي الآن، وإذا كانت المرأة السعودية تُشكل الآن نسبة تقرب من 20 في المائة من قوة العمل في السعودية، وتتقلد الكثير من مناصب الإشراف والتخطيط والتحديث، يصبح من الضروري إسقاط كل مبررات القلق خاصة أن غالبية قوى المجتمع المدني السعودي تقف في صف التحديث، وتعتبر الجهود المبذولة لكي يكون الجميع سواسية أمام القانون لا فارق بين أمير وغفير إصلاحاً حقيقياً يضيق دائرة الفساد وينشر المزيد من العدالة.
إن القيمة التاريخية لافتتاح صالة عرض سينمائي في السعودية تُشكل حدثاً ثقافياً مهماً يأتي في أوانه الصحيح، يحظى بترحيب واسع من كل فئات المجتمع، لا يصاحبه أي من مظاهر القلق الاجتماعي لأنه حدث مرغوب يقنن احتياجاً حقيقياً تفرضه حاجات المجتمع، ومطالب سوق نشطة جربت كل أنماط الاستهلاك الغربي وعرفتها عن قرب في الداخل والخارج، وهي تأتي مصحوبة بإصلاحات اجتماعية أخرى تستهدف تحسين جودة الحياة في المجتمع السعودي، لأنه ليس صحيحاً أن كل بدعة ضلالة مصيرها الجحيم، فبعض البدع هي نتاج أعمال المزيد من العقل والتأمل والتفكير، وبعض البدع الجديدة تمثل المزيد من الخير والمزيد من قدرة الإنسان على تطويع تحديات عصره، تختصر معاناة البشر وترتقي بقدراته، وتمكنه من اختصار زمن التقدم وتهيئ له طاقات وقدرات جديدة تجعله أكثر قدرة على التحكم في مستقبله ومصيره، وقبل مائة عام نجح اقتصادي مصري كبير هو طلعت حرب في أن يُدرك في وقت مبكر أهمية السينما المصرية وضرورتها للإسراع بركب التقدم المصري وجعل من أهم أولوياته الاقتصادية شيوع دور السينما؛ لنشر أفكار الحداثة والتطوير ومعالجة مُشكلات المجتمع المصري وبناء منظومة من القيم الحديثة كان لها أبلغ الأثر في تنوير الحياة المصرية.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري