رغم المأزق الصعب الذي ينبىء بفشل عظيم للرئيس التركي رجب الطيب أردوغان، عندما قامت قواته بغزو منطقة عفرين السورية، على أمل أن ينجح في طرد المقاتلين الأكراد السوريين الذين تمكنوا من دحر داعش في سوريا، يواصل الرئيس التركي ــ الذي لا يزال يراوده حلم استعادة الخلافة العثمانية ــ تحرشه بمصر، يحاول السيطرة على ميناء سواكن شرق السودان ليكون له وجود بحري عسكري في البحر الأحمر يُنغص أمن مصر جنوبًا، ويناطح مصر العداء شرق المتوسط حيث حقل «ظهر» العملاق الذي بدأت مصر استغلاله تجاريًا الشهر الماضي، بدعوى أن اتفاقية الحدود بين مصر وقبرص بترسيم حدودهما البحرية، والتي بموجبها تم اكتشاف أكبر حقول الغاز في البحر الأبيض، لا تحمل أي صفة قانونية وأنها تنتهك حدود الجرف القاري عند خطوط الطول 32 و16 و18 درجة، رغم أن أعمال حفر حقل ظهر بدأت قبل 28 شهرًا، لم نسمع خلالها أي اعتراض تركي، ورغم أن الاتفاقية التي جرى توقيعها عام 2013 لا أحد يستطيع أن ينازع في قانونيتها لأنها تتوافق تمامًا مع القانون الدولي، وتم إيداعها بالفعل كاتفاقية دولية في الأمم المتحدة، أما الإدعاءات التركية فلا يساندها سوى رعونة رجب الطيب أردوغان، وإذا كانت تركيا تحاول الاستفادة من سيطرتها على الجزء الشمالي الشرقي من جزيرة قبرص باسم القبارصة الأتراك، فإن ذلك لا يشكل أي مسوغ قانونى لتركيا، لأن هذه المنطقة من قبرص لا خطوط أساس لها تطل على منطقة اكتشافات الغاز، كما أنه لا توجد أي دولة في العالم اعترفت بسيادة تركيا على هذا الجزء من جزيرة قبرص، ومن ثم فإنه لا سند قانوني بالمرة لطلب بحق تركيا في التنقيب عن الغاز شرق المتوسط خلال المستقبل القريب، كما وعد الرئيس التركي أردوغان.
ويعتقد المحلل الأمريكي سيريل ويدر شوفين، أن مطالب أردوغان تتسم بالتجاوز والعدائية تجاه مصر، وأن إعلان الرئيس التركي بحقه في منازعة مصر هو بمثابة إعلان الحرب على مصر، ولهذا جاء الرد المصري في تحذير واضح المعنى لا يحتمل التأويل على لسان المتحدث الرسمي أكدت فيه أن مصر لن تسمح لأحد بحرمانها من اكتشافات الغاز،وكانت مصر قد اتخذت كل الإجراءات التي تكفل الحفاظ على حقوقها في حقل «ظهر» ابتداء من ترسيم حدودها مع قبرص إلى إيداع وتوثيق خرائط خطوط حدودها البحرية مع قبرص ضمن وثائق الأمم المتحدة. والواضح للعالم كله، أن اكتشافات الغاز الأخيرة شرق المتوسط غيرت موازين القوى في المنطقة كما تقول صحيفة «فايننشال تايمز»، وأن كل الوقائع والحقائق تصب في صالح مصر لأنها تجعلها بالفعل أهم مركز عالمي للطاقة شرق المتوسط والجسر الصحيح الذي يربط بين أسواق الغاز في الشرق والغرب، ونقطة الاستثمار الصناعي الأساسي في المنطقة التي فشلت إسرائيل وتركيا في منافستها لأسباب عديدة، أولها الإمكانات القوية التى توفرها الدولة المصرية، سواء فى منح تراخيص البحث والاستكشاف، فضلًا عن وجود محطات تسييل الغاز المتاحة بالفعل التي تقلل الوقت والكلفة، كما أن مصر سبقت إسرائيل بعملية تنمية حقل «ظَهر» وسرعة استثماره التجاري بعامين كاملين بما جعله الأقل كلفة والأكثر تنافسية في سوق تعاني من هبوط أسعار الغاز، وفضلًا عن ذلك فإن حقول الغاز المصرية وأولها حقل «ظهر» تستفيد من قناة السويس التي هى بالفعل أسهل وأرخص طرق التجارة في العالم بما يزيد من قدرة مصر على أن تصبح المركز الأساسي للطاقة في الشرق الأوسط ويزيد من قدرتها على التعامل مع أي تحرك قادم، خاصة أن القاهرة تعتبر اتفاقية الحدود بين مصر وقبرص جزءًا مهما من البنية التحتية الكاملة التى تجعل مصر الأكثر استحقاقاً من كل من تركيا وإسرائيل في أن تكون دولة محورية للطاقة، وإذا كانت تركيا تزج بالقبارصة الأتراك على اعتبار أن لهم حق إدارة موارد قبرص الاقتصادية، فإن أزمة قبرص لا تزال محل نزاع دولي ضخم يمكن أن تنظره الأمم المتحدة، وحتى الآن لم تعترف أي دولة بحقوق الأتراك القبارصة في دولة مستقلة فضلًا عن أن العالم كله يعترف بقبرص باعتبارها دولة إلا تركيا التي تراها مجرد جزيرة في عرض البحر.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري