لا يبدو أن الشرخ الراهن في العلاقات الأوروبية الأمريكية سوف يندمل قريبًا وأغلب الظن أنه سوف يزداد عُمقًا واتساعًا، وربما تكون قد حانت لحظة فراق المصالح بين أوروبا وأمريكا بما يجعل عودة العلاقات بين الجانبين إلى ما كانت عليه خلال الحرب العالمية الثانية ضربًا من المستحيل، ولا يُبدي المراقبون على الجانبين تفاؤلًا كبيرًا بمستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية بعد خيبات أمل عديدة أدت إلى اتساع رقعة الخلافات التي وصلت إلى حد الحرب التجارية المستعرة بين الجانبين بعد أن فرض الرئيس الأمريكي ترامب تعريفة جمركية عالية على واردات أمريكا من الصلب والألومنيوم الأوروبي، وبعد أن اختلفت المواقف السياسية للجانبين حول العديد من القضايا الدولية، آخرها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حيث تتهم غالبية دول أوروبا إسرائيل بالإفراط في استخدام القوة ضد شباب القطاع الذين يتظاهرون في منطقة السياج الحدودي، وسقط منهم أكثر من 112 شهيدًا اصطادهم القناصة الإسرائيليون بصورة تكاد تكون متعمدة، بينما تُصر الإدارة الأمريكية على أن من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها وتلوم منظمة حماس لأنها نظمت المظاهرات في منطقة السياج الحدودي. ورغم أن الأوروبيين يحاولون جهدهم الحفاظ على علاقات قوية مع حكومة الولايات المتحدة على جميع المستويات لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني الذي يعتقد الأوروبيون أنه في مصلحة الأمن والاقتصاد الأوروبي هبط بمستوى العلاقات الأوروبية الأمريكية إلى المستوى الذي انحدرت إليه بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وتُشير استطلاعات الرأي العام الألماني إلى أن ثلثي الألمان يعتبرون أن الرئيس الأمريكي ترامب يُشكل تهديدًا لأمن أوروبا أكثر خطورة من تهديدات الرئيس الروسي بوتين، وطبقًا لاستفتاء أعلنته الأسبوع الماضي صحيفة فرانكفورتر الجماندا فإن ثلثي الألمان يرون أن ألمانيا تتحرك بعيدًا عن الولايات المتحدة، بل إن مجلة دير شبيجل الألمانية واسعة التأثير لم تتورع عن أن تدعو ألمانيا إلى أن تكون جزءًا من عملية مقاومة النفوذ الأمريكي! إذا ظل ترامب رئيسًا للولايات المتحدة فترة ثانية. وربما يكون صعبًا تحميل الرئيس الأمريكي ترامب وحده مسئولية الخلل في العلاقات الأوروبية الأمريكية لأنه قبل مجيء ترامب إلى البيت الأبيض ظهرت في أمريكا اتجاهات نقدية واضحة لسياسات الأوروبيين في الدفاع عن أمن أوروبا، وتقاعسهم عن تحمُل مسئولية هذا العبء واعتمادهم المتزايد على الولايات المتحدة، ولا تزال أوروبا تُعاني من نقصًا حادًا في بعض القدرات والتخصصات العسكرية!، وثمة ضرورات أمنية مهمة تدفع الأوروبيين إلى تعزيز قدراتهم العسكرية بحيث يتمكنون من تعزيز دفاعاتهم دون أن ينشقوا عن الولايات المتحدة، لكن الحقيقة المهمة التي تُدركها أوروبا أنه سواء كان ترامب يشغل البيت الأبيض أو خارجه فإن الأولويات الأمريكية تغيرت لأن تباين المصالح الاقتصادية واختلافها يُشكل عنصرًا حاكمًا في هذه القضية!. وإذا كان السؤال المهم الذي يدور في رأس كل أوروبي الآن، هل فقد الأوروبيون الولايات المتحدة كحليف استراتيجي إلى الأبد تحت ضغوط المصالح الاقتصادية المتناقضة ؟..، وأظن أن الإجابة الواضحة عن هذا السؤال أن الأوروبيين والأمريكيين ماضون على هذا الطريق لا جدال، وأن الأزمة تزداد اتساعًا، كما أن فجوة المصالح تتسع بصورة يصعُب رتقها أو لملمتها، لأن الرئيس ترامب لم يتردد في فرض تعريفة جمركية جديدة على الصلب والألومنيوم الأوروبي حفاظًا على مصالح أمريكا الاقتصادية، ولعله هلل مرحبًا بالحرب التجارية في بداياتها لأن أمريكا يمكن أن تكسبها بسهولة، وهذا ما فعله أيضًا الأوروبيون وإن يكُن بصورة أخف حدة عندما اكتشفوا أنهم سوف يخسرون الكثير إذا طاوعوا الرئيس ترامب وانسحبوا من الاتفاق النووي الإيراني. وبسبب النقص الشديد الذي تعانيه أوروبا من جراء انخفاض مخزونها من الطاقة وتزايد حجم استهلاكها ورغبتها في عدم الاعتماد بالكامل على الاستيراد من روسيا، تسعى أوروبا إلى التحالف مع دول الشرق الأوسط لأن الاعتماد على بترول وغاز شرق المتوسط أكثر أمنًا للأوروبيين، وربما يكون ذلك هو الدافع الأساسي وراء الموقف الأوروبي المتخلف عن الموقف الأمريكي في أحداث غزة، لأن الأمن الأوروبي بات أكثر التصاقًا بالأمن جنوب البحر الأبيض، وأقرب كثيرًا من ساحل الأطلنطي بما يكرس الحقيقة الخالدة التي تؤكد أن المصالح هي الأقوى والأشد تأثيرًا في علاقات الدول.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري