سوف يكون لمصر في غضون خمسة عشر شهرا لا أكثر، سكك حديد جد مختلفة تستعيد مجدها القديم، عندما تأسست قبل 167 عاما كثاني أقدم سكك حديد في العالم، في إطار تخطيط شامل يمكنها من تجديد بنيتها الأساسية، واستكمال عجز الجرارات التي جاوز معظمها عمره الافتراضي، لأنها تعمل على الخطوط منذ 40 عاما دون نظم صيانة متكاملة ترفع نسب الإتاحة والجاهزية التي تدنت إلى حد أن النسبة الأكبر من الجرارات عاطلة عن العمل، فضلا عن سوء حال عربات نقل الركاب وتدني مستويات الخدمة في معظمها وارتفاع نسب أعطال التكييف خاصة على خطوط الصعيد..! ولم تسلم سكك حديد مصر من محاولات تخريب جماعة الإخوان في مناطق بعينها يكثر وجودهم بها مثل المرازيق والحوامدية والواسطة لكن يقظة الأمن كانت لهم بالمرصاد. ولأعوام طويلة كان التركيز في السكك الحديدية على المظهر لا الجوهر، وكان الاهتمام بأناقة المحطات يفوق الاهتمام بتحديث البنية الأساسية أو إصلاح نظم صيانة الجرارات إلى أن تفاقم سوء الأوضاع، وانحصر كل الاهتمام في البحث عن كبش فداء لهذه الكوارث, ربما يكون عامل التحويلة أو خفير المزلقان أو سائق القطار إلى أن انهار مرفق السكك الحديدية وساءت سمعته رغم أنه أقدم سكك حديد العالم، سبق الولايات المتحدة وسبق معظم الدول الأوروبية, لكن غياب نظم المتابعة والصيانة والإحلال والتجديد ,وضعف القدرات الفنية, وغياب النظرة الشاملة أدى إلى هذا المصير، وأصبح السؤال المهم الآن، هل ننفق كل هذه المليارات على تجديد السكك الحديدية لتعود الأمور سيرتها الأولى, ونظل فى هذه الحلقة المفرغة دون أن نسأل أنفسنا، لماذا تراكم الإهمال وكيف استفحل الخطر؟. ومن وجهة نظر وزير النقل هشام عرفات فإن الأمور قد اختلفت على نحو جذرى، وتعليمات الرئيس السيسى واضحة دون لبس أو غموض، تطالب بعلاج المشكلة من جذورها، ومن ثم وجب علينا أن ننظر ربما للمرة الأولى في أوضاع البنية الأساسية للسكك الحديدية التي تشمل أولاً القضبان التي تبلغ شبكة طولها 5 آلاف كيلو متر، إضافة إلى 4 آلاف أخرى تمثل تفريعاتها، تقادم وضعف معظمها لأن أغلبها لا يزال على طرازه القديم, لا يتوافق مع سرعات الجرارات الحديثة التي تصل في بعض الدول إلى 250 كيلو مترا في الساعة ولا مع كثافة الاستخدام الراهن، ولم تشهد خطوط القضبان أي أعمال إحلال أو تجديد في مسافة تصل إلى 1200 كيلو، يقوم على صيانتها عمال الدريسة الذين لا يملكون أي أدوات حديثة تقيس صلابة القضبان وسلامتها أو تكتشف شروخها، يعتمدون على النظر والخبرة، بينما يملك العالم الآن قاطرات تفتيش صغيرة تقيس بمجرد مرورها صلابة القضبان وقوتها، وتتأكد من خلوها من الشروخ والعيوب، أخيرا وقبل عدة شهور اشترينا أول قاطرة من هذا النوع بمبلغ لا يتجاوز 100 ألف يورو!. وتشمل البنية الأساسية غير شبكة القضبان نظم الإشارة التي لا تزال تعتمد في مصر على رجل التحويلة, بينما انتقل العالم إلى نظام الإشارات الإلكترونية كي يقلل المخاطر ويتفادى أخطاء البشر التي عادة ما تكون سبب الكوارث وينظم بدقة مرور القطارات على خط حديد واحد غير مزدوج، خاصة أن هناك أكثر من 1300 كيلو متر من السكك الحديدية لم يتم ازدواجها بعد!, فضلاً عن الفلنكات الخشبية التي لم تعد تُشكل عنصر أمان كامل تحت ضغوط كثافة الحركة وسرعة القطارات, ويتم الآن استبدال الفلنكات الخرسانية بها، وبدون علاج مشكلات البنية الأساسية، القضبان والفلنكات والإشارات يتعذر تطوير سكك حديد مصر.
وتتخلص المشكلات الرئيسية لسكك حديد مصر في بنية أساسية مهترئة (القضبان والإشارات) يحتاج علاجها إلى مليار ونصف المليار جنيه، وأساطيل جرارات تجاوز معظمها عمرها الافتراضي الذي يربو على الـ 40 عاما, يحتاج استبدالها وضمان صيانتها إلى 8ر2 مليار جنيه، فضلا عن ضعف الصيانة وغياب فئات الفنيين المهرة الذي يقدر بـ 16 ألف وظيفة خالية جميعها لمهن فنية أصبحت نادرة في سكك حديد مصر, رغم وجود 51 ألفاً يعملون في الهيئة، وإذا كان عدد الجرارات الموجودة في عهدة السكك الحديدية يبلغ الآن 770 جرارا فإن المتاح منها للتشغيل لا يتجاوز 440 جراراً بنسبة جاهزية لا تزيد على 56%، وبالطبع تحقق السكك الحديدية في ظل تراكم هذه المشكلات خسائر ضخمة, تتراكم عاماً وراء عام إلى أن بلغ العجز المتراكم حتى عام 2018 نحو61 مليار جنيه بمتوسط عجز سنوى يتجاوز 7 مليارات جنيه، ورغم ذلك تظل سكك حديد مصر أهم وسائل النقل في مصر, لأن خطوطها تخدم 23 محافظة على مستوى الجمهورية, وتقوم بنقل 300 مليون راكب سنوياً، ومع الأسف تراجع دورها فى نقل البضائع إلى حدود 5 ملايين طن فقط وهو رقم جد متواضع يعادل أقل من 1% من حجم نقل البضائع في مصر, بسبب دعم البترول الذى شجع علي زيادة النقل البرى إلى أن وصلت تكلفة نقل الكيلو طن الواحد عبر الطريق ثلاثة وأربعين قرشا مع أنها في السكك الحديدية لا تزيد على اثنين وعشرين قرشا للطن الواحد في كل كيلو متر بسبب رفع الدعم عن الوقود وارتفاع اسعار الديزل الي مستوي التكلفة الحقيقية، ويتوقع خبراء النقل أن يزداد الطلب على نقل البضائع بالسكك الحديدية بسبب رفع الدعم عن الوقود، ولهذا تشتري سكك حديد مصر 300 عربة نقل جديدة.وما يؤكد ضعف جاهزية الجرارات في مصر التي لا تتجاوز نسب اتاحتها 56%, أن مشكلة الصيانة تكاد تكون أخطر مشكلات السكك الحديدية التي تعاني نقصاً فادحاً في تخصصات فنية عديدة، أدى إلى زيادة الأعطال في 836 رحلة تتم على مدى الـ 24 ساعة ذهابا وعودة في اتجاهي الوجه القبلي والبحري في اليوم الواحد، لكن ما من شك أن السكك الحديدية تمثل بالنسبة لصعيد مصر أمرا حيويا مهما لأن المسافات في صعيد مصر طويلة، ولأن أُسر الصعيد تعتمد في تنقلاتها على القطار أكثر من وجه بحري الذي يملك بدائل عديدة، ويبلغ عدد رحلات السكك الحديدية إلى صعيد مصر 20 رحلة ذهابا و20 رحلة إيابا في اليوم الواحد، ومع ذلك فإن حجم الحركة في الصعيد يزيد علي السعة القصوى بنسبة تصل إلى 40%، الأمر الذي يتطلب زيادة عدد رحلات الصعيد إلى 60 رحلة ذهابا وعودة، يصعب تحقيقها قبل أن تنتهي مرحلة التطوير الأولى التي تنتهي في غضون 15 شهراً, سواء ما تعلق منها بالبنية الأساسية أو الجرارات لأن الرئيس السيسي طلب ألا يقل عدد رحلات الصعيد عن 60 رحلة في الذهاب والاياب، بينها 25 قطارا مكيفا في اليوم الواحد, تشمل تكييف عربات الدرجة الثالثة.
ولأن برنامج إصلاح سكك حديد مصر يكاد يعتمد على الاستيراد من الخارج بعد إعادة تأهيل البنية الأساسية الذي يشمل تطوير 1089 مزلقاناً من إجمالي عدد المزلقانات البالغ 1332 مزلقانا، وتطوير وتحسين 181 محطة في الوجهين البحري والقبلي غير القضبان وتجهيزات الإشارات ونقلها من عامل التحويلة إلى إشارات إلكترونية تجنبا لمخاطر الخطأ البشرى، يتم الآن استيراد باقي التجهيزات، سواء ما يتعلق منها بالجرارات أو عربات الركاب والبضائع، لتصبح المرحلة الأولى من التطوير الشامل جاهزة بعد 15شهراً، خاصة أن معظم عقود الاستيراد تم توقيعها، وتشمل تصنيع وتوريد 100 جرار جديد بقدرات تتراوح بين 3500 و 4 آلاف حصان بالإضافة إلى إصلاح 81 جرارا في عهدة السكك الحديدية الآن، إضافة إلى مائة جرار أخرى بتمويل من بنك الإعمار والتنمية الأوروبى بفائدة لا تتجاوز 15 في المائة، مع عقود صيانة طويلة الأجل تشمل قطع الغيار اللازمة لها على امتداد عمرها الافتراضى كى نتجنب سوء الصيانة الراهن, ونرفع جاهزية الجرارات التي تتدنى نسبة تشغيلها التي تصل الآن إلى حدود 56%، ويشمل برنامج الاستيراد غير الجرارات 1300 عربة ركاب مختلفة الطرازات و300 عربة بضائع في المرحلة الأولى سوف توزع على الخطوط في غضون 15 شهرا، كما تشمل خطط الإصلاح على تطوير ورش السكك الحديدية لتصبح قادرة علي النهوض ببرامج صيانة حديثة تلاحق ما يجرى في العالم من تطوير مستمر، بينما يكاد يكون الجمود هو السمة الرئيسية لسكك حديد مصر، وعندما انتقلت سكك حديد العالم إلى الديزل والكهرباء كانت سكك حديد مصر لا تزال في عصر البخارية التي لا تتجاوز سرعتها 80 كيلو مترا.
وتركز مرحلة التطوير الأولى كما يؤكد وزير النقل د.هشام عرفات على ثلاثة أهداف أساسية يشمل أولها خط القاهرة الإسكندرية المزدوج بطول 220 كيلو مترا الذي ينتهى العمل في تحديثه في يناير 2020، بما يضمن تجديد البنية الأساسية وتغيير القضبان، وتجهيز الخط بإشارات إلكترونية تتفادى أخطاء البشر مع تجديد عربات الركاب والجرارات وإنشاء محطة تحكم مركزية تنظم حركة 50 قطارا ترتفع إلى 80 قطارا في اليوم الواحد، تقطع المسافة في ساعتين و5 دقائق وبنسبة أمان تكاد تصل إلى مائة فى المائة، وثانيها خط الصعيد الذي يخدم في اليوم الواحد مائة ألف من أبناء الصعيد يستخدمون في اليوم الواحد 20 قطارا فى رحلة الذهاب و20 قطارا في رحلة الإياب ترتفع إلى 30 قطارا في الذهاب ومثلها في رحلة الإياب بعد 15 شهرا، مع كهربة كل إشارات الخط الذي يقل استخدامه بنسبة 30% بعد نجع حمادي، وتشمل مرحلة إصلاح البنية الأساسية المنطقتين ما بين بنى سويف- أسيوط وأسيوط- نجع حمادي، لكن كهربة الإشارات تشمل طول الخط بأكمله. وينطوي إصلاح خط الصعيد على زيادة في2 أعداد الجرارات وعربات الركاب تمكن 100 ألف راكب يومياً من الحصول على مقاعدهم، بينهم 40 ألف راكب يتمتعون بخدمة تكييف الهواء التى سوف تشمل لأول مرة عربات الدرجة الثالثة، أما الخط الثالث الذي تشمله خطة تحسين مستوى السلامة والخدمة في سكك حديد مصر حتى عام 2020 فيشمل خط بنها الزقازيق الإسماعيلية وصولا إلى بورسعيد الذي يستكمل مرحلة إزدواج بنيته الأساسية وتغيير نظام إشاراته وتوفير الجرارات التي تمكنه من زيادة عدد الرحلات ورفع قدرة الخط على استيعاب المزيد من الركاب، وتحسين خدمة عربات الركاب وضمان أمنهم وسلامتهم، في إطار خطة إصلاح شامل تركز اهتمامها في المرحلة القادمة على إنشاء نظام صيانة متكامل يوفر قدر الاستطاعة عقود الصيانة السنوية التي تعتمد على الخارج في هذه المرحلة الحساسة من تطوير سكك حديد مصر التي تتعرض فيها لمخاطر متزايدة, بسبب عدم كفاءة نظم الصيانة الراهنة التي يحسن تداركها في أقرب فرصة، ويكاد يكون تحسنها مرتبطا بمدى قدرتنا على تطوير التعليم الفني!.
وفي كل أنحاء الدنيا يكاد يكون المدخل الصحيح لإصلاح نظم الإدارة إصلاح السكك الحديدية التي تحتاج إلى نظم متابعة دقيقة، تضمن المراجعة الشاملة المستمرة لمختلف مناحي العمل، ورفع جاهزية قدراتها المتنوعة، وضبط مواعيدها بالثانية والدقيقة على مدى الساعة، وذلك هدف يكاد يكون مستحيل التحقيق دون وجود نظام صيانة كفء ودقيق وصارم، وليس سرا أن نظم الإدارة الناجحة نَبَعت أولا من عنابر السكك الحديدية لأنه في السكك الحديدية لابد أن تتضافر كل العوامل في سيمفونية متناغمة كي يصل القطار إلى المحطة في موعده الصحيح.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري