ما يؤلم ويحز في ضمير الإنسان، خاصة إن كان يتابع عن قرب ما يجري في سوريا، وما سوف يجري بعد انسحاب الأمريكيين المفاجئ، ليس أسفًا على رحيل القوات الأمريكية التي خسرت معركة سوريا منذ وقت مُبكر يعود إلى عام 2015، عندما حسم الرئيس بوتين أمره وقرر التدخل العسكري في سوريا لإنقاذ بشار الأسد والدولة السورية، وتعزيز مكانة روسيا شرق المتوسط، بينما جلس الرئيس الأمريكي السابق أوباما يُفكر ويُفكر ولم يفعل شيئًا، ثم جاء من بعده الرئيس ترامب الذي أسرف في وعوده، لكنه بدلًا من أن يفعل شيئًا جادًا، اكتشف أن سوريا قد ضاعت منذ زمن ولم يعد أمامه سوى الاعتراف بالحقيقة المُرة والهروب من المسرح، وتحميل روسيا مسئولية مواجهة بقايا داعش وعملياتها الانتقامية ومواجهة أعباء إعادة بناء ما خربته الحرب في سوريا، وقد خربت الحرب كثيرًا، لعل ذلك يوقع الرئيس الروسي المنتصر في شر أعماله!..،
ما يؤلم ويحزّ في ضمير الإنسان بالفعل هو الخيانة التي تتعرض لها قوات سوريا الديمقراطية, المشكلة أساسًا من الأكراد السوريين وبعض القبائل العربية، حلفاء الولايات المتحدة في الحرب على داعش الذين تحملوا ببسالة عبء المعركة، وحاربوا داعش وهزموه في كل موقع ثم تركهم الرئيس الأمريكي ترامب وهرب من المعركة قبل أن يتم مهمته في عملية مقايضة سياسية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
كانت قوات سوريا الديمقراطية، وأغلبها من الأكراد السوريين، تعرف منذ البداية أن رجب طيب أردوغان هو الذي أتاح لتنظيم داعش وحلفائه فرصة النفاذ إلى سوريا، وعندما حاولت قوات سوريا الديمقراطية النفاذ من منطقة الحدود التركية إلى مدينة كوباني كبرى مدن الأكراد شمال شرق سوريا لإنقاذها من داعش رفض أردوغان وأغلق الحدود, لكنهم حاربوه ونجحوا في الوصول إلى كوباني، وخاضوا معركة شجاعة طردت داعش من كوباني، وواصلوا الحرب على داعش يساندهم القصف الجوي الأمريكي إلى أن نجحوا في تحرير مدينة الرقة عاصمة الخلافة الإسلامية، وظلوا يتعقبون داعش ويطردونه من كل مواقعه بعد أن أمدهم الأمريكيون بالمصفحات والصواريخ المضادة للدروع، والآن يتركهم الرئيس ترامب نهبًا لتهديدات أردوغان، وتحالفه مع إيران.
والواضح أن الرئيس الأمريكي امتثل لمطالب أردوغان بعد مكالمة تليفونية جرت مع الرئيس التركي يوم 14 ديسمبر، وأسفرت عن قرار أمريكي بخروج قواتها من سوريا واستقالة وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس بعد أن أقنع أردوغان الرئيس ترامب بأن الجيش التركي قوي يستطيع تصفية أي جيوب متبقية من داعش، لكن أردوغان واصل تهديداته ضد قوات سوريا الديمقراطية، مؤكدًا أن أحدًا لا يستطيع منع بلاده من تطهير منطقة شرق الفرات والقضاء على الإرهابيين في إشارة إلى الميليشيات الكردية.
ويبدو أن الأمريكيين أعطوا أخيرًا موافقتهم على عملية عسكرية تركية ضد أكراد سوريا، بدعوى أن أمريكا لا تستطيع أن تتنازل عن حليف بأهمية تركيا من أجل كسب الميليشيات الكردية السورية!، ويبدو أيضًا أن الروس أعطوا موافقة ضمنية على عملية أردوغان المرتقبة بدعوى حماية الأمن القومي التركي، وثمة حديث عن صفقة تركية روسية وافق الأتراك بموجبها على تطبيع علاقاتهم مع نظام الرئيس بشار الأسد إذا فاز في الانتخابات الرئاسية القادمة مقابل التوسع التركي شرق الفرات، والواضح أن الخاسر الأول في هذه الصفقة هم أكراد سوريا الذين يرون الآن في خروج القوات الأمريكية المفاجئ «خيانة» و«طعنة فى الظهر» تضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما انتظار الجحافل التركية التي تريد دفنهم في مواقعهم العسكرية، والبالغ عددهم أكثر من 15 ألف مقاتل، أو الوصول إلى تسوية سياسية مع دمشق تُمكّنهم من العودة إلى أحضان سوريا وتساعد على نشر الجيش السوري شرق الفرات، و تمكّن الاثنين، الأكراد والجيش السوري من طرد داعش من كل المواقع، ووقتها سوف يضطر النظام التركي إلى سحب ذرائعه التي تُبرر عدوانه على شرق الفرات، ويكاد يكون انضمام الأكراد السوريين إلى قوات الجيش السوري, وتوحيد جهودهما ضد داعش هو أحسن الخيارات أمام الأكراد السوريين.
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري