لا أعرف بعد على وجه التحديد مصدر الهوس الذي أصاب جماعة الإخوان أخيرًا، وجعل قادتها يخرجون إلى العلن ربما لأول مرة منذ سقوط حكم الجماعة والمرشد يطالبون قوى المعارضة بالاصطفاف خلفهم لأن الثورة قادمة!، ولأن مهمة التغيير لابد أن يُشارك فيها الجميع!، ولأن ما تعيشه مصر يمثل جريمة ينبغي أن تنتهي، بينما الواضح لكل العيان في العالم أجمع أن مصر قد استعادت كامل استقرارها كما استعادت كامل دولتها، وأن المصريين يعضون بالنواجذ حفاظًا على الدولة المصرية واستقرارها، وأنهم لن يقبلوا عودة المرشد والجماعة إلى سدة الحكم مرة ثانية في ضوء هذه الشعارات المخادعة، بعد ثورة عارمة نزل فيها 40 مليون مصري إلى شوارع جميع المدن المصرية بعد عام مرير من حكم الجماعة!
ولست أعرف، ما الذي حفّز محمود حسين أمين عام الجماعة، ومدحت الحداد عضو شورى الجماعة، ومختار العشري المستشار القانوني للجماعة، وجميعهم هاربون من أحكام قضائية في تركيا منفاهم الاختياري خارج البلاد، إلى أن خرجوا أخيرًا من جحورهم في كورال للغربان يؤكد أن مصر على أبواب ثورة جديدة!، مهمتها إحداث تغيير جذري يشمل الجيش والشرطة والقضاء والإعلام وكل مؤسسات الدولة المصرية والمجتمع المدني وأن المسئولية الوطنية والتاريخية تحتم على الجميع أن يشاركوا في هذه الحرب الأهلية الضروس! التي ترى جماعة الإخوان أنه قد آن بالفعل أوانها، على حين تؤكد كل المؤشرات أن أوضاع مصر تزداد أمنًا واستقرارًا لتصبح بالفعل ركيزة أمن الشرق الأوسط واستقراره، وأن مصر خرجت بالفعل من عُنق الزُجاجة دولة قوية تستعيد مكانتها بين الأمم، وأن المصريين نجحوا في حربهم على الإرهاب في كسر بنيته التحتية، ودمروا أكثر من 95% من مقوماته وخلاياه وأفراده وأوكاره، كما أن وحدة مصر الوطنية تزداد رسوخًا وقوة بهذين المعلمين التاريخيين في العاصمة الإدارية، جامع الفتاح العليم وكاتدرائية ميلاد المسيح مقر البابوية الجديد، وتحتل مصر الآن مكانة عظيمة بين الأمم لأن سماحتها تُشكّل علامة تاريخية على حرية الاعتقاد والأديان.
وليس في مجمل الصورة أو تفاصيلها ما يشير إلى أسباب هذا الهوس الذي أصاب جماعة الإخوان، ولو أننا ناقشنا أسباب الأزمة الاقتصادية التي كانت جماعة الإخوان وآخرون تعول كثيرًا على آثارها المتوقعة على الفئات الأقل دخلًا لوجدنا أن الأمر قد اختلف على نحو كلي، سواء من خلال مظلة الحماية الاجتماعية التي نشرتها مصر لتشمل فئات عديدة ضمت الملايين من الناس، وتستحق عليها وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي الشكر الجزيل، أو من خلال الانخفاض المتواصل في معدلات نسب البطالة التي هبطت ولا تزال تهبط إلى حدود تُشير إلى زيادة ملحوظة في نسب التشغيل في مجالات عديدة, كما شهدت مصر أخيرًا أكبر تراجع يومي لسعر الدولار مقابل الجنيه فضلًا عن عودة تدفق الاستثمارات الأجنبية بقوة تتراوح بين مليار وملياري دولار في الشهر الواحد، وزيادات مهمة في الحساب الجاري والتحويلات القادمة من الخارج، وارتفاع متواصل في عائدات السياحة والصادرات، وتحسُّن مطرد في صافي أصول النقد الأجنبي إضافة إلى ارتفاع مؤشر الأسهم الصغيرة والمتوسطة، بما يؤكد أن كل المؤشرات الاقتصادية دون استثناء تُشير إلى ارتفاع ملحوظ وتغيرات أساسية في الكيف والكم بما في ذلك تصنيف مصر الائتماني الذي اختلف على نحو جذري ليصبح الاقتصاد الوطني محل ثقة الداخل والخارج ربما لأول مرة في تاريخ مصر الحديث، ويساند هذه المؤشرات واقع عملي يشير إلى حجم التغيير الضخم الذي يطرأ على مصر على مدار الساعة، يراه المصريون بعيونهم ويلمسون آثاره اليومية في مئات من مواقع العمل في محور روض الفرج ومدن الصعيد دون استثناء وطريق بنها الحُر وجميع مدن الوجه البحري، ومدن القناة الثلاث بأنفاقها الضخمة الجديدة التي يراها الجميع ملء البصر تفقأ عيون الكاذبين. من أين جاءت جماعة الإخوان بحلمها الكاذب، وهي ترى عن قرب حرص مصر على أن يتحقق للسودان استقراره حفاظًا على دولة السودان وليس حفاظًا على الرئيس البشير، لأن السودان هو الأبقى وينبغي تجنيبه المزيد من التمزق والانفصال رغم حاجته إلى الحكم الرشيد، وأظن أن كل سوداني يعرف عن يقين أن غاية مصر أن تحفظ للسودان أمنه واستقراره، ولن يكون السودان في جانب الصواب والمستقبل إلا إذا كان وفيًا لمصر وهذه هي المعادلة الصحيحة التي ينبغي أن تحكم علاقة الشعبين، وحسنًا أن نجح الرئيسان البشير والسيسي في لقائهما الأخير في القاهرة في صياغة هذه المعادلة الجديدة بما يحفظ لمصر والسودان مصالحهما المائية لأن قضية الأمن المائي قضية حيوية بالنسبة للشقيقين، ينبغي أن تحظى بتوافق استراتيجي يساند حقوقهما في مياه النيل باعتبارهما دولتي المصب، ولأن كل ما يخص بناء سد النهضة بما في ذلك ملء السد وتشغيله يهم دولتي المصب وتحفظ لإثيوبيا حقها الواضح في الاستفادة من مياه النيل بما لا يضر بمصالح باقي الأطراف، لكن ما يبدو واضحًا حتى الآن، أن جماعة الإخوان في هوسها بالثورة القادمة التي توشك أن تقع! لم يعد يهمها كثيرًا مصير الرئيس البشير، لأن الذي يهمها في المقام الأول إحداث تغيير جذري يدمر مصر الدولة والجيش وكل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني المصري، وهذا هو عشم إبليس في الجنة الذي لن يتحقق أبدًا لأنه حلم شيطاني كاذب لا يستند إلى أي أساس. ويبقى السؤال الأهم، هل يمكن أن تكون جماعة الإخوان أخطأت الحلم لأنها خلطت بين الثورة الوشيكة المتوقعة وبين مطالب حقوق الإنسان التي أثارها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته الأخيرة للقاهرة، صحيح أن مسئولية المنصب كانت تفرض على الرئيس الفرنسي ضرورة أن يتحقق من صدق أقواله قبل أن يسارع بتصديق حقائق كاذبة تروج لها جماعة الإخوان من أن في مصر 60 ألف معتقل وأن أوضاع حقوق الإنسان تسوء كثيرًا عن فترة الرئيس مبارك!، لكن الأهم من ذلك أن الرئيس الفرنسي نسي أنه يسكن بيتًا من زجاج، وهو متهم باستخدام القوة المفرطة ضد أصحاب السترات الصفراء.. فضلًا عن خلطه الشديد في المفاهيم بين المدونين والصحفيين والناشطين السياسيين وديماجوجيى الحياة السياسية الذي أوقعه في خطأ الاعتقاد بأن غالبية من الصحفيين يعانون داخل سجون النظام وهو أمر غير صحيح بالمطلق، ومع ذلك فالأمر المؤكد، أن لمصر أسبابًا واضحة ومعلنة لكي تعتبر جماعة الإخوان جماعة إرهابية ارتكبت العديد من الجرائم التي تستحق المحاكمة، وأن القضاء المصري وحده هو صاحب القول الفصل في هذه القضية، وأن الجماعة قد اشتطت في نهجها التكفيري منذ أن أصبح سيد قطب إمام التكفيريين هو مرشدها الحقيقي، وهي التي ابتدعت العنف والقتل السياسي واستخدام السلاح للإرهاب ومن تحت معطفها خرجت كل جماعات الإرهاب والإسلام السياسي وكل تنظيماته السرية، ويرفض غالبية المصريين بإجماع واضح عودة الجماعة للعمل بالسياسة ما لم تراجع أفكارها ومناهجها وتعترف بكل الجرائم التي ارتكبتها، ومع الأسف كان ينبغي للرئيس الفرنسي أن يحترم التحديات الأمنية التي تواجه مصر ويعرفها العالم أجمع، لكنه سوّغ لنفسه أن يسوق الاتهامات دون دليل، ودون أن يدرك خصوصية وضع مصر في منطقة لا تزال تعاني من تضارب المصالح والرؤى الإقليمية والدولية التي تفرض عليها أن تكون أكثر حذرًا وهى لا تزال تُحارب جماعات الإرهاب، وأظن أن من حق مصر أن تسأل نفسها وغيرها، إن كانت معايير الغرب هي المعايير الوحيدة الصحيحة لقياس حقوق الإنسان أم أن هناك معايير أخرى أكثر جدارة واستحقاقًا تفرض نفسها على أرض الواقع.
وبرغم أن سجلات التحقيق في جرائم جماعات الإخوان تؤكد أنه ما من جماعة سياسية أو دينية في العالم أجمع ارتكبت مثل هذه البشاعات التي ارتكبتها الجماعة خلال المجازر التي وقعت في كرداسة وإمبابة والهرم والفيوم ورابعة العدوية والنهضة وغيرها من المواقع، إلا أن الجماعة التي أحرقت كل مقرات الحزب الوطني وحاصرت المحكمة الدستورية العليا، وأغلقت بالجنازير كل محاكم مصر وأشعلت النيران في العشرات من أقسام الشرطة واقتحمت السجون الحصينة في وادي النطرون وهدمت بواباتها بالبلدوزر هي مع الأسف الشديد الأعلى صوتًا في الحديث عن حقوق الإنسان والأكثر ادعاء بالمظلومية والأشد كذبًا واختلاقًا لوقائع مذرية استهدفت آحاد الناس وجموعهم، إلى حد أن بعض المخدوعين لا يزالون يتصورون أن مصر تحتاج إلى مصالحة وطنية مع الجماعة التي كفرت غالبية المصريين واتهمتهم بالضلال، وتدعو الآن جهارًا نهارًا إلى حرب أهلية تستهدف القضاء على قوات مصر المسلحة لأنها تُشكل العقبة الكؤود أمام محاولات الجماعة المتكررة للقفز على السلطة، والأغرب من ذلك كله أن جماعة الإخوان التي كانت آخر جماعة سياسية نزلت إلى ميدان التحرير لأنها كانت لا تزال تطمح في المصالحة السياسية مع نظام الرئيس مبارك، والتي ارتضت أن تكون أهم أدوات إدارة الرئيس الأمريكي أوباما للفوضى البناءة في مصر كما أوضح حبيب العادلي وزير الداخلية السابق في شهادته امام المحكمة، كانت الأشد قسوة وإرهابًا في صدامها مع نظام الرئيس مبارك الذي سعت إلى مهادنته، بعد أن اعتلت جميع العمائر التي تحيط بميدان التحرير، وجاءها المدد الخارجي من قوات حماس وحزب الله التي نجحت في اختراق الحدود والهجوم على سجن وادي النطرون والإفراج عن المعتقلين هناك من أعضاء الجماعة وحماس وحزب الله وبينهم محمد مرسي.
في ضوء هذه الوقائع ربما يكون من حق البعض أن يسأل، إن كان هوس قيادات جماعة الإخوان بالثورة الوشيكة القادمة مجرد نوع من الحرب النفسية لا يستند إلى أي أساس مادي حقيقي، فمن هي جماعات المعارضة الداخلية الذين تخاطبهم قيادات الجماعة، وتأمل في أن يصطفوا خلفها لأن الثورة قادمة ولأن مهمة التغيير تتطلب من الجميع المشاركة؟!، أغلب الظن أنهم نفس بقايا الجماعات القديمة التي استنزفت جهدها في غير طائل من فلول الثوريين الاشتراكيين ومراهقي الناصرية الذين لم يبلغوا بعد سن الرشد رغم أنهم باتوا من العجائز وارتضوا التحالف مع جماعة الإخوان في عملية خيانة واضحة لفكر الناصرية وتجربتها الوطنية، إضافة إلى تنظيمات جماعات الإخوان الجديدة التي تخترع لنفسها اسمًا جديدًا كل يوم، وربما تأمل قيادات جماعة الإخوان في أن يكون بين الصفوف الجديدة بعض من أعضاء مواقع التواصل الاجتماعي لكن هؤلاء لا يبلورون غالبية مؤثرة لأن غالبية مواقع التواصل الاجتماعي لا تبدى اقتناعًا كاملًا بمنطق قادة الإخوان..، والواضح أن التحول الذي حدث في مواقع التواصل الاجتماعي على امتداد السنوات الأخيرة نقل غالبية المنتمين لهذه المواقع من المعارضة إلى مواقع نقدية مختلفة، تتراوح خلالها مواقفهم من الحكم بين النقد والتأييد.
لكن المهم في الصورة الجديدة ثلاثة أمورأساسية، أولها أن الأغلبية الحرجة التي كانت تشكو من الأزمة الاقتصادية لا تزال على موقفها من ضرورة الحفاظ على الاستقرار وعلى تقدم الدولة المصرية وثباتها وربما تختلف رؤيتها في بعض الأولويات الجديدة، لكنها تبدي اقتناعًا كاملًا بحجم الإنجاز واتساعه وشموله، وتقر بحجم التغيير الكبير.
وثانيهما، أن حجم المساندة والتأييد للجهد المبذول يتسع كل يوم وتزداد مساحته، وأن الأمل في تغيير حقيقي يرفع جودة حياة كل المصريين يزداد عمقًا واتساعًا وأن المرأة المصرية لا تزال تتصدر الصورة وهي الأكثر فاعلية ونشاطًا والأكثر حماسًا ورفضًا لجماعة الإخوان، كما أن حجم المتعاطفين من الشباب يزداد عددًا وقوة كل يوم.
وثالثهما أن جماعة الإخوان لسوابقها العديدة في الوثوب عنوة إلى السلطة لن تقوم لها أي قائمة جديدة، دون عملية نقد شامل تراجع جميع أفكارها ومناهجها وسوابقها وتخلصها من الخلط بين السياسة والدين وتصحح مفاهيمها في التفسير والتأويل بما يضمن رفض الفكر التكفيري والعودة إلى وسطية الإسلام، وتكريس جهودها لخدمة قضايا التربية الدينية على أسس علمية، لكن مع الأسف لا يبدو أن هناك تيارًا رشيدًا عاقلًا وسط الجماعة يمكن أن يضطلع بهذه المسئولية التاريخية، ومن ثم فـإن مصير الجماعة في الأغلب هو الاندثار، وبالطبع سوف يبقى هناك دائمًا من لا يعجبهم العجب لكن هذه هي سُنة الحياة، القافلة تسير والكلاب تعوي والحياة في صيرورة مستمرة.
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري