تجدد الخلاف بين الرئيسين الأمريكي ترامب والتركي أردوغان حول قضية انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، ومصير القوات الكردية الحليف الأساسي للأمريكيين في سوريا الذين حاربوا ببسالة الوجود العسكري لداعش, وأجلوه من معظم المواقع السورية، لكن الخلاف الأمريكي التركي اقترن هذه المرة بتهديدات خطيرة أطلقها الرئيس الأمريكي ترامب في تغريداته الأخيرة على تويتر، أكد فيها استعداد الولايات المتحدة لتدمير الاقتصاد التركي إن تجاسر الرئيس التركي أردوغان على المساس بقوات سوريا الديمقراطية التي تتعرض لتهديدات تركيا المستمرة منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي سحب قواته من سوريا، ورغم تراجع ترامب عن تهديداته, فمن الواضح أن السبب الرئيسي للخلاف التركي الأمريكي هو سوء تأويل تركيا معنى ومغزى التفويض الذي منحه الرئيس الأمريكي للرئيس التركي أردوغان في مكالمة تليفونية طويلة انتهت باتفاق الرئيسين على أن يواصل الأتراك حربهم على بقايا داعش في سوريا المتمثلة في عدد من المقاتلين المسلحين وبعض الخلايا النائمة التي لا تزال قادرة على شن الهجمات وتحاول إعادة تجميع قدراتها القتالية من جديد، لكن أردوغان أساء متعمدًا فهم تفويض الرئيس ترامب وأعطى نفسه الحق في شن الهجوم على قوات سوريا الديمقراطية حليفة الولايات المتحدة في الحرب على داعش باعتبارها جزءًا من حزب العمال الكردستاني، الذي تناصبه تركيا العداء، وتعتبره عدوها الأول وترى في هزيمته هزيمة لمشروع الأكراد الذين يناضلون على امتداد مائة عام من أجل إنشاء دولة كردية تجمع أكراد تركيا والعراق وسوريا، أو كيان كردي يتحصلون فيه على نوع من الحكم الذاتي يحقق بعض طموحاتهم القومية والثقافية، ورغم أن جون بولوتون مستشار الأمن القومي الأمريكي حذر الأتراك من مغبة سوء تأويل التفويض، إلا أن أردوغان رفض استقباله وبدا واضحًا للجميع أن أردوغان سوف يُعطي الأولوية للهجوم على أكراد سوريا، والأكثر من ذلك أن أردوغان طالب الولايات المتحدة بأن تسلم جميع قواعدها قبل الرحيل إلى القوات التركية كما طالبها بنزع سلاح الأكراد الذي يتمثل في عدد من المصفحات والصواريخ الأمريكية حصلت عليها القوات الكردية كعون عسكري أمريكي خلال حربها على داعش، وقد رفضت الولايات المتحدة المطلبين، وأكدت ضرورة ضمان أمن وسلامة القوات الكردية بعد انسحاب قواتها من سوريا، والذي بدأ بالفعل قبل عدة أيام بإخلاء القوات الأمريكية المنسحبة جزءًا من عتادها في سوريا، ورغم تهديدات الرئيس ترامب الأخيرة لا تزال القوات التركية داخل سوريا مستمرة في دعم وجودها العسكري عبر أرتال الإمدادات التي تأتيها من منطقة الحدود، ولا يزال الغموض يحيط بمصير القوات الكردية التي يمكن أن تتعرض لمخاطر الهجوم التركي الذي لا يزال يتربص بها منتظرًا انسحاب القوات الأمريكية الكامل من سوريا، الذي لا يزال موضع انتقاد شديد من العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي ومعظم الشخصيات العسكرية. وما لم يصدر الرئيس الأمريكي تصريحًا واضحًا يحدد فيه على وجه دقيق حدود التفويض الذي حصل عليه الرئيس التركي أردوغان في مكالمته التليفونية الطويلة مع ترامب، سوف يستمر أردوغان في مناوراته خداعًا للجميع رغم تهديدات ترامب بتدمير الاقتصاد التركي، الذي يعاني مخاطر ضخمة بسبب ارتفاع نسب التضخم وتراجع أسعار صرف الليرة التركية التي خسرت خلال العام الماضي 30% من قيمتها مقابل الدولار، وتزايد أعداد الشركات التركية التي تطلب إعلان إفلاسها بسبب توتر العلاقات السياسية الخارجية لتركيا والتي اقتربت أعدادها من ألف شركة، فضلًا عن ارتفاع معدلات البطالة، انتشار حالات عدم حصول العاملين على أجورهم، وجميع ذلك يمثل مصاعب اقتصادية وسياسية ضخمة تلزم الرئيس التركي التخلي عن حماقاته ورعونته، لكن الأمر الواضح للجميع الآن أن الرئيس الأمريكي يصر على سحب كامل قواته من سوريا وإعادتها للوطن رغم تصريحات وزير خارجيته مايك بومبيو الأخيرة التي أعلن فيها أن أمريكا لا يمكن أن تُغامر وتغادر الشرق الأوسط رغم مصالحها في المنطقة، ومع الأسف فإن هذه الإشارات المتناقضة التي تأتي من الجانب الأمريكي تزيد من غموض الموقف وصعوبته.
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري