أمس الأول الأحد سقط القيد الذي كان يمنع المرأة السعودية من أن تقود سيارتها بنفسها في شوارع المدن السعودية، الأمر الذي كان وقفاً على السعودية ومدنها من دون دول العالم أجمع، وكان يُشكل أحد نقاط الضعف الأساسية في مجتمع يتطلع إلى الحداثة بعد طول تمسك بتقاليد بالية عتيقة، بما جعل هذا اليوم فارقاً في تاريخ المملكة الاجتماعي، وأعطى لولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان فضل اتخاذ القرار، الذي يعتبره الكثيرون دلالة مهمة على أن المجتمع السعودي يعبر إلى مستقبل جديد، خاصة أن القرار جزء من حزمة إصلاحات أخرى أتاحت للمرأة السعودية الحق وأن تشارك في نشاطات الأندية الرياضية، وأتاحت للمجتمع السعودي المزيد من الحريات الخاصة والانفتاح، بعد أن تم السماح بافتتاح دور السينما يحضرها عامة الناس. وابتداء من فجر الأحد قادت عشرات النساء السعوديات سياراتهن في شوارع المدن السعودية وسط مظاهر فرح، والترحيب العام الذي كان السمة الغالبة على ردود أفعال المجتمع السعودي، وفي حالات كثيرة كان الزوج أو الأب أو الإبن يجلس إلى جوار السيدة التي تقود السيارة تشجيعاً لها، وفي حالات أخرى سمحت السيدات اللائي يقدن سياراتهن لممثلي الصحف ووكالات الأنباء الأجنبية بالركوب إلى جوارهن لتسجيل الحدث التاريخي المهم الذي أنهى قيداً اجتماعيا كان يمنع المرأة السعودية وحدها من دون نساء العالم أجمع من أن تقود سيارتها، ليس تطبيقاً لغرض ديني، لأن الشريعة لا تمنع المرأة من أن تقود سيارتها، ولكنه تطبيق لتقليد فرضه المجتمع على المرأة السعودية، وقد سجلت محاضر الشرطة اعتراض رجل عمل على حرق سيارات السيدات اللائي يقدن سياراتهن بأنفسهن، تم التحقيق معه وأفرج عنه بكفالة بعد اعتذاره عما بدر منه، وتوقيعه على تعهد بعدم التعرض للأخريات مرة أخرى، ورغم هذه الاعتراضات المحدودة ثمة ما يؤكد أن قرارات ولي العهد السعودي تلقى مساندة متزايدة من فئات عديدة من المجتمع السعودي بينهم عدد من رجال الدين، الذين يؤكدون أن القيود التي منعت المرأة من قيادة سيارتها كانت في جوهرها قيوداً اجتماعية أملتها تقاليد قديمة بأكثر من أن تكون قيوداً دينية أملتها الشريعة.ولا يعرف بعد عدد السيدات اللائي حصلن على ترخيص قيادة جديد، وإن كان الواضح من عشرات السيدات اللائي ظهرن في شوارع جدة أمس، أن الأعداد محددة معظمها لسيدات حصلن على رخص قيادة في أثناء دراستهن في الخارج وتمكن من الحصول على رخص محلية بعد اجتياز اختبار عملي في إدارات المرور، التي قالت إن خمسة آلاف سيدة سعودية اجتزن الاختبارات التي تؤهلهن للحصول على رخصة تسيير سيارة، لكن 82% من السعوديات يعتزمن استخراج تراخيص جديدة عام 2018، وفقا لاستطلاع أخير، قدر عدد النساء الراغبات في الحصول على رخصة تسيير سيارة بأكثر من ثلاثة ملايين امرأة. ويثور جدل عقيم في السعودية الآن حول ما إذا كان قيادة المرأة لسيارتها حقا نجحت المرأة السعودية في تحقيقه بعد جهود ومحاولات طويلة بذلتها على امتداد عدة سنوات، أم أن ما حدث كان مجرد منحة من الحاكم. وواقع الأمر أن عشرات السيدات السعوديات ناضلن من أجل الحصول على هذا الحق في إطار رؤية جديدة لضرورة تحسين وضع المرأة في المجتمع السعودي، لكن تطور المجتمع السعودي وسماحه بتعليم المرأة وبأن تصبح جزءاً من قوة العمل السعودية كان العامل الحاسم في كسب هذه المعركة خاصة أن المرأة السعودية تشكل الآن 20% من قوة العمل السعودي، سوف ترتفع عام 2030 إلى 30% بما يمكن المرأة من الذهاب إلى عملها ضرورة تفرض تغيير كثير من التقاليد البالية. ولأن الحرية تتطلب المزيد من الحرية فربما تتطلع المرأة السعودية إلى كسب المزيد من الحقوق، خاصة ما يتعلق بتحريم استخدام العنف ضد المرأة وهو ما أمر به الدين الحنيف الذي يرفض العنف ضد المرأة ويؤكد ضرورة معاملتهن بالمعروف دون قهر أو ظلم حتى إذا اقتضت الظروف تسريحهن لكن لا جدال في أن ما حدث في السعودية يوم الأحد يشكل معلماً مهماً في تطوير وتحديث السعودية.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري