مكرم محمد احمد…لماذا صفقة الغاز مع إسرائيل؟!

تم توقيع اتفاق لتصدير غاز إسرائيل الطبيعي بين مجموعة ديليك الإسرائيلية التي تملك حقلي الغاز الإسرائيليين “ليفتان وتامارا” اللذين تم اكتشافهما شرق المتوسط أمام الساحل الإسرائيلي, وشركة “دولفينوس” المصرية، بموجبه تشتري الشركة المصرية ما يعادل 15 مليار دولار من الغاز الإسرائيلي على مدى 10 سنوات من الحقلين الإسرائيليين، وتنقل الشركة المصرية الغاز الإسرائيلي الذي تم شراؤه عبر شبكة الأنابيب البحرية المصرية إلى مصر، وتدفع الرسوم المستحقة عن عملية نقل الغاز الإسرائيلي, الذي سوف تتم إسالته في محطتي الإسالة المصريتين في كل من دمياط وإدكو, لتعيد شركة دولفينوس المصرية تصدير الغاز الإسرائيلي مسيلاً إلى الخارج . ويدور الحديث عن اتفاقيتين لتوريد الغاز الطبيعي من حقلي ليفتان وتامارا الإسرائيليين إلى مصر، يمكن أن يبدأ تنفيذهما في غضون عام على الأكثر، فور الاتفاق على قيمة الرسوم المطلوبة لنقل الغاز عبر خطوط الأنابيب المصرية إلى أن يتم توريد الكمية المتعاقد عليها حتى نهاية 2030 أيهما أسبق.

وفي إطار هذا الاتفاق سوف تتم دراسة الإمكانات المختلفة لتوسيع عملية نقل الغاز الإسرائيلي إلى مصر بما فى ذلك فرص استخدام خط الغاز الإسرائيلي ـ الأردني الذي يربط بين شبكتي نقل الغاز الإسرائيلي والأردني التي تقام الآن بين البلدين وفق اتفاق أردني ـ إسرائيلي.

وسوف يمكن اتفاق شراء الغاز الإسرائيلي مصر من تسويق مخزون إسرائيل من الغاز الطبيعي إلى السوق العالمية كما يمكن مصر من استخدام بنيتها الأساسية المتمثلة في شبكة أنابيب البترول البحرية شرق المتوسط في نقل الغاز الإسرائيلي إلى محطات إسالة الغاز المصرية في دمياط وإدكو التي تكلفت ما يربو على 20 مليار دولار قبل عدة سنوات، ويصعب بناء مثيل لها الآن على ساحل المتوسط الجنوبى لارتفاع التكلفة الباهظة، وبإعادة تحويل الغاز الإسرائيلي إلى سائل في محطات دمياط وإدكو المصرية يسهل نقل الغاز الإسرائيلي مسيلا إلى أسواق التصدير في العالم أجمع.. هذا هو مغزى الاتفاق الأخير بين مصر وإسرائيل الذي يعنى، أن تفيد وتستفيد دون الإضرار بمصالح أي من الأطراف الأخرى .

ووجه استفادة إسرائيل أن أسهم الغاز والبترول في البورصة الإسرائيلية كانت في حالة هبوط مستمر خلال العامين الأخيرين لصعوبة تسويق الغاز الإسرائيلي إلى الخارج ووصوله إلى السوق العالمية، لكن الأسهم عادت أمس إلى الحياة بعد اتفاق شركة دولفينوس المصرية على شراء هذا الغاز وإعادة تصديره إلى الخارج، ويقدر حجم الغاز الإسرائيلي الذي سوف تشتريه الشركة المصرية بموجب هذا الاتفاق بنحو 64 مليار متر مكعب على مدى 10 سنوات .

وإذا كان الإسرائيليون يبدون حماساً شديداً للمشروع الذي يمكنهم من تسويق إنتاجهم من الغاز الطبيعي إلى السوق العالمية عبر مصر التي تملك شبكة نقل الأنابيب الأساسية وتملك محطات الإسالة التي تحيل الغاز الإسرائيلي إلى سائل يسهل نقله إلى كل أسواق العالم، فإن الفوائد التي يحققها المشروع لمصر أكبر من ذلك بكثير، لأن مصر سوف تجني المزيد من العوائد نتيجة استخدام بنيتها الأساسية في نقل الغاز الإسرائيلى عبر خطوط أنابيبها ومحطات إسالة دمياط وإدكو المصريتين اللتين تكلفتا 20 مليار دولار وقت» الرخص«، وتوقفتا عن العمل بعد نفاد مخزون مصر من الغاز قبل أن يظهر حقل ظهر إلى الوجود، ثم جاءت فرصة شراء مصر للغاز الإسرائيلي أخيراً كي تتمكن هذه المحطات المتوقفة من العمل من جديد .

والأكثر أهمية من ذلك أن ما حدث مع الغاز الإسرائيلي يمكن أن يحدث مع لبنان وقبرص, بما يعني أن مصر تملك الإمكانات الأساسية التي تمكنها من أن تستقبل الغاز القبرصي القادم من حقل أفرودينا القبرصي لتسييله وإعادة تصديره, ويمكن أن تستقبل أيضا الغاز اللبناني وتسييله وإعادة تصديره إلى أسواق الخارج، بما يحول مصر بالفعل إلى مركز عالمي لتصدير الغاز، وإذا كان الإسرائيليون سوف يتمكنون من الوصول بغازهم الطبيعي إلى الأسواق العالمية عبر مصر لأن مصر تمثل أسهل وأقصر الطرق إلى السوق العالمية وأقلها كلفة، فالأمر المؤكد أن فائدة مصر سوف تكون أكبر كثيراً لأن مصر تملك البنية الأساسية القائمة بالفعل، وتحتكر محطات إسالة الغاز جنوب المتوسط التي يصعب إقامة منافس لها الآن لتكاليفها الضخمة والباهظة .

ولهذا السبب يؤكد الرئيس عبدالفتاح السيسي إن مصر وضعت قدمها بالفعل على الطريق الصحيح بغية أن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة، ولا يقلل من حجم المكاسب المؤكدة التي سوف تجنيها مصر من هذا المشروع الضخم, أن يتحقق لإسرائيل بعض المنافع, وتتمكن من تسويق غازها في السوق العالمية، فهذا ما ينبغي أن تكون عليه الحياة، أن تفيد وتستفيد دون الإضرار بمصالح طرف آخر، وأظن أن ذلك هو المعنى المهم الذي قصده الإسلام عندما دعا الشعوب والأمم إلى التعارف وتبادل المنافع والمصالح، لأنه ليس صحيحاً بالمرة أن الإسلام قصد إلى أن تكون دياره ديار حرب إلى الأبد مع الآخر إلى أن يفنى أحدهما الآخر! وإذا كان بنيامبن نتيانياهو رئيس وزراء إسرائيل يبدى سعادته لأن الإسرائيليين سوف يجنون ثمار وصول غازهم الطبيعي إلى السوق العالمية، فلماذا لا نكون أسعد حالا من بنيامين نيتانياهو، لأننا سوف نصبح مركزاً لوجستياً دولياً لنقل الطاقة، وسوف نحقق مكاسب أكبر من تلك التي سوف تحققها إسرائيل، أم أنها عقدة الخواجة التي تجعلنا أقل ثقة في أنفسنا!

لقد عشنا في سلام بارد مع إسرائيل منذ اتفاقات كامب ديفيد لأننا أردناه سلاماً شاملاً وعادلا يحقق أيضاً مصالح الفلسطينيين, ونحن لا نزال على العهد نقف بصدق إلى جوار القضية الفلسطينية دون أن يستطيع أحد المزايدة على مواقفنا، وأظن أننا سوف نكون أكثر فائدة للفلسطينيين أن أصبحنا في وضع يمكننا من أن نكون أكثر تأثيراً فى الداخل الإسرائيلي واكثر قدرة على إنجاز التسوية العادلة لأزمة الشرق الاوسط!ثم ثمة سؤال مهم آن أوان أن نعرف إجابته الصحيحة، ما الضرر الذي سوف يقع على مصر إن حصل الإسرائيليون على الثمن العادل لغازهم الطبيعي، وتحققت لمصر فائدة مؤكدة جعلتها أكثر قدرة وتأثيراً في محيطها الإقليمي ، وما الذي يحول دون أن ندفع بعض الدفء في العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية إن كان الإسرائيليون قد تغاضوا عن نصوص معاهدة السلام المصرية وسمحوا للقوات المصرية بأن تكون أكثر عدداً وعتاداً في مواجهة جماعات الإرهاب في سيناء ؟ ! سؤال أخلاقي مهم لا أتعجل إجابته ؟

لقد كان يمكن بحساب الجدوى الاقتصادية وحدها تمرير هذا الاتفاق الذي يمكن شركة مصرية تتبع القطاع الخاص من شراء الغاز الإسرائيلي وإعادة تصديره إلى العالم مع تحقيق مكسب لمصر في إطار تكافؤ المنافع وتبادل المصالح بين الأمم ، لكنني رأيت أن من المناسب أن ننكأ الجراح حتى يكون كل شىء على بلاطة, لأن مصر لا تفعل شيئاً سيئا ولا تخون عهداً وهى بالفعل في سلام مع إسرائيل تربطهما معاهدة واضحة النصوص، رأى الإسرائيليون أن من الأفضل لهم تجاوز بعض نصوصها لصالح مصر وهى تحارب الإرهاب، وأيا كان الدافع الإسرائيلي فالأمر المؤكد أنهم اختاروا الموقف الأكثر ذكاء والأكثر عقلانية والأكثر وداً لمصر والأكثر تحقيقاً لمصالح إسرائيل، خاصة أنهم يعرفون جيداً أن ثمة شروطا أساسية ينبغي على كل الأطراف الالتزام بها كي ينجح هذا الاتفاق ويستمر تنفيذه، وأول شروط النجاح ضرورة أن تتحقق لمصر فائدة واضحة تتمثل في قيمة مضافة، تجعل شراء الغاز الإسرائيلي أمراً مربحاً لمصر وثانيهما تسوية قضايا التحكيم الدولي لأنه من غير المقبول ومن غير المعقول أن تدفع مصر تعويضا لإسرائيل قدره مليارا دولار لأن الإرهابيين فجروا خطوط نقل الغاز أكثر من مرة في شبه جزيرة سيناء، الأمر الذي يتطلب رؤية مختلفة تجعل مواجهة هذه التفجيرات جزءاً من كلفة الحرب على الإرهاب، يتحمل المجتمع الدولي والأطراف المعنية كلفتها وليس مصر.

وما ينبغي أن يكون واضحاً لجميع المصريين لا يحتمل اللبس أو خطأ التفسير والاستنتاج غير الصحيح، أن اتفاق الغاز الإسرائيلي لا علاقة له بالمرة بالسوق المحلية لأن احتياجات السوق المحلية يغطيها حقل ظهر وحقول الغاز المصرية الجديدة المكتشفة غرب الدلتا وشمالها التي تمكن مصر من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز بنهاية عام 2018 المقدر بنحو 800 مليون قدم يومياً ,يفي بها حقل ظهر الذي يرتفع إنتاجه من 300 مليون قدم يومياً الآن إلى أكثر من مليار قدم يومياً بنهاية عام 2018, وما يهمنا في هذه القضية أن استيراد الغاز الإسرائيلي عبر الشبكة المصرية وإسالته في محطات دمياط وإدكو كي يعاد تصديره إلى أسواق الخارج سيفيد مصر كثيراً في أن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة وصناعات البتروكيماويات تستفيد منه لبنان وقبرص التي يمكن أن تحذو حذو إسرائيل لتوسط المكان وسهولته وتجهيزاته التي تشمل معظم البنية الأساسية، بما يؤكد أن مصر هى المستفيد الأول من هذا المشروع الضخم، ولهذا يصبح واحداً من أهم واجبات المصريين الآن أن يعيدوا النظر في أبعاد القضية ويتعاملوا معها باعتبارها مصلحة مصرية مباشرة لا تنتقص من حقوق أي طرف آخر فضلاً عن أنها في جوهرها تشكل محض اتفاق تجاري غير سياسي، خاصة أن القاهرة هى الوحيدة في المنطقة التي تملك محطات إسالة للغاز يكاد يصعب بل يستحيل بناء منافس لها .

وما ينبغي أن نتوقعه أن أعداء مصر وحاسديها والراغبين في سقوط دولتها والمتوجسين شراً من أن تكبر مصر لتصبح «قد الدنيا» سوف يحاولون ملاحقة هذا المشروع الضخم بالشائعات الكاذبة والأخبار المدسوسة وسوف يدسون السم في العسل كى لا يحظى المشروع بحماس المصريين، خاصة جماعة الإخوان ومن تبعهم من جماعات “الحنجوري” التي تحسن العويل على اللبن المسكوب دون أن تنجح على امتداد تاريخها في إنجاز شىء مؤثر!.

سوف يشددون العويل لأن إسرائيل سوف تكسب المليارات من وصول غازها الطبيعي إلى الأسواق العالمية عبر مصر, دون أن يروا حجم المكاسب الهائلة التي سوف تحققها مصر سواء من استخدام بنيتها الأساسية أو إعادة تشغيل محطات إسالة الغاز العاطلة عن العمل منذ سنوات, أو تحولها المؤكد إلى مركز إقليمى لتصدير الطاقة وأحد مراكز الإنتاج المهمة في صناعة البتروكيماويات, لأن شعارهم المفضل هو توزيع الفقر على الجميع، وسوف نسمع العجب عن صفقة الغاز التي يعقدها السيسي مع إسرائيل لتحقيق أمن نظامه !، رغم أن المعروف الآن على مستوى العالم أجمع أن تحقيق أمن سيناء مهمة محض مصرية تقع على عاتق قوات الجيش والأمن المصري وحدهما, لا تقبل فيها مصر شراكة أحد آخر، وأظن أن الواقع الراهن يؤكد صدق ذلك، ومن ثم فإن السؤال المهم الآن ، لماذا يبكي هؤلاء النائحون حسرة لأن المصريين سوف يحققون كسباً مهماً مضافاً لتحسين أحوالهم الحياتية، يأتي من عرقهم وكدهم وحده, ولا يترتب عليه الإضرار بمصالح أى من الأطراف الأخرى . وسوف يقولون كذباً إن الصفقة في جوهرها صفقة سياسية أكثر من أن تكون اقتصادية رغم أن حسابات الجدوى الاقتصادية تؤكد أن أكثر الأطراف استفادة من الصفقة هم المصريون، ليس فقط بحساب أرقام الربح والخسارة، ولكن لأن مصر تستعيد بهذه الصفقة قدرتها على التأثير داخل الشرق الأوسط بما يحفظ أمنه واستقراره لصالح جميع دوله وشعوبه وأولهم الإسرائيليون والفلسطينيون .

جريدة الأهرام

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *