رغم النجاحات التي حققتها الحكومة المصرية خلال العامين الأخيرين في رفع معدلات الإنتاج في نشاطين حيويين هما إنتاج الكهرباء الذي عزز قدرة مصر بإنشاء 3 محطات حرارية هي الأضخم والأحدث في العالم بالتعاون مع شركة سيمنس الألمانية، وزيادة حجم احتياطيات الغاز المصرية من خلال اكتشافات شركة إيني الإيطالية شمال المتوسط في حقل ظهر وغيره من المناطق التي يجرى التنقيب فيها، رغم هذه النجاحات الكبيرة لا تزال جهود مصر لتحفيز الرأسمالية الوطنية على زيادة نشاطها الإنتاجي والصناعي متواضعة، لم تحقق بعد الحد المأمول في مجال الإنتاج السلعي، لأن الرأسمالية الوطنية لا تزال تركز على الاستيراد من الخارج بأكثر من تركيزها على النشاط الإنتاجي في كل المجالات ابتداء من صناعة الملابس الجاهزة التي تستورد أغلبها من بنجلاديش! إلى صناعة المولدات وطلمبات رفع المياه ووسائل النقل الخفيف من الدراجات والموتوسيكلات، وأنشطة أخرى عديدة تعتمد فيها على الاستيراد من الخارج.
والواضح أن النشاط الأضخم الذي يشكل عنصر جذب أساسيا لمدخرات المصريين هو النشاط العقاري رغم وفرة المعروض بما يفوق حاجة الطلب، خاصة أن هناك مئات الآلاف من شقق الإسكان على كل المستويات مغلقة لم يتم استثمارها، لأن الحكومة تأخرت طويلاً في فرض ضرائب على العقارات غير المؤجرة المغلقة والمحجوبة عمداً عن سوق العقارات، وبرغم احتياج مصر المتزايد إلى العديد من مشروعات التنمية الصناعية لإنشاء صناعات مغذية تخدم أغراض الصناعة والزراعة، يمكن أن تنهض بها صناعات صغيرة ومتوسطة، يفضل الكثيرون الذهاب إلى سوق العقارات التي تبتلع الجزء الأكبر من مدخرات المصريين رغم أن مصر بذلت على امتداد عامي 2016 و 2017 جهداً كبيراً من أجل تحسين بيئة ومناخ الاستثمار في مصر في إطار رؤية وطنية توافرت عليها وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي الدكتورة “سحر نصر”، وأطلقت خريطة استثمارية جديدة تقوم على تشجيع وتنمية النشاط الإنتاجي بما في ذلك مشروعات التنمية الصغيرة والمتوسطة، كما سارعت بإصدار قانون جديد للاستثمار وقانون آخر لسوق العمل، يعززان بيئة ريادة الأعمال ويشجعان على إنشاء شركات جديدة ناشئة ويضمنان تسهيل الإجراءات وتبسيطها، سواء على الصعيد الجغرافي بالتركيز على محافظات الصعيد الأشد احتياجاً لمشروعات التنمية، وتوليد فرص جديدة للعمل، أو على صعيد القطاعات لتغطية نقص الإنتاج في مجالات حيوية عديدة مثل صناعات الأثاث والجلود والأحذية والملابس الجاهزة والسجاد والأكلمة، يمكن أن تجد قبولاً واسعاً في أسواق الخارج، فضلاً عن صناعة البرمجيات .
ولا يزيد حجم الاستثمارات المحلية رغم كل هذه التسهيلات والحوافز على 270 مليار جنيه يذهب أغلبها إلى الاستثمار العقاري ويشكل 9 في المائة فقط من حجم الناتج المحلي الإجمالي، مطلوب أن ترتفع في غضون السنوات الأربع القادمة إلى 780 مليار جنيه بحلول عام 2022 تذهب النسبة الأكبر منها إلى أنشطة إنتاجية تحتاجها السوق المصرية ويمكن أن تسهم في زيادة حجم الصادرات المصرية، كما أن حجم الاستثمارات الأجنبية في السوق المصرية لا يزال متواضعاً لم يتجاوز 7 مليارات دولار، مطلوب أن ترتفع إلى 22 مليار دولار بحلول عام 2022، تسهم في إنشاء 22 منطقة استثمارية و5 مناطق حرة جديدة كي ترتفع معدلات التنمية إلى أكثر من 8%، بما يمكن مصر من مجابهة مشكلة البطالة، وتوليد مليون فرصة عمل منتج كل عام تلاحق مطالب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
ومع حرص الرأسمالية الوطنية على التركيز في استثماراتها على أنشطة الاستيراد دون الدخول في مشروعات إنتاجية تقوم على التطوير المستمر، وتشجيع الابتكار والقبول بمعايير المنافسة العالمية، ربما نجد أنفسنا أمام تحدٍ جديد يفرض على الدولة المصرية تشجيع فئات جديدة من المستثمرين المصريين على اقتحام مجالات النشاط الإنتاجي، لأنه في سوق عالمية مفتوحة تقوم على المنافسة والتطوير والابتكار، يصعب على أي دولة أن تكون طرفا مؤثرا في السوق العالمية دون أن يكون لديها ما تستطيع أن تقدمه لهذه السوق، كي تكون عنصراً فاعلا ومؤثرا تأخذ وتُعطي وتُفيد وتستفيد.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري