حسناً إن توافق كل العرب، مصر والسعودية والأردن وفلسطين على أن أي خطة لسلام الشرق الأوسط تتجاهل حق الفلسطينيين الواضح في إقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش إلى جوار إسرائيل في أمن وسلام، عاصمتها القدس الشرقية هي خطة فاشلة، وأن أي مشروع يتجاهل هذين الشرطين الأساسيين لا يمكن قبوله مهما يكن مصدره، وهذا ما عبر عنه بوضوح قاطع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والملك الأردني عبدالله بن الحسين ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ومن ثم فإن ما سُمى «صفقة القرن» التي يروج لها كوشنير زوج ابنة الرئيس ترامب، وجرينبلات ممثل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لا محل لها من الإعراب، يرفضها كل القادة العرب لأنها تسقط حق الفلسطينيين في أن تكون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة، وكما كان العاهل السعودي والرئيس المصري واضحين في رفضهما المشروع الأمريكي كان العاهل الأردني واضحاً في تحذيراته للإدارة الأمريكية من أن «صفقة القرن» يراها الشارع العربي على حقيقتها باعتبارها انحيازاً خالصاً لإسرائيل سوف تؤدي إلى المزيد من عدم استقرار الشرق الأوسط، وأن العاهل الأردني مضطراً لإدانتها بشدة، كما أدان نقل السفارة الإسرائيلية من تل أبيب إلى القدس واعتبار القدس عاصمة للدولة الإسرائيلية.
وكما أكد أرون ميلر أحد الخبراء الأمريكيين القلائل الذين شاركوا في معظم المفاوضات الأمريكية حول القضية الفلسطينية لصحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية، فإن الولايات المتحدة هي التي خدعت نفسها، عندما أساءت تفسير الموقف السعودي، وتوهمت أن توافق الموقفين السعودي والإسرائيلي على إدانة تمدد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط يعنب أن السعودية يمكن أن تدعم صفقة القرن وخطط الرئيس ترامب لإسقاط حق الفلسطينيين في أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولتهم الفلسطينية، وإزاء هذا الموقف القاطع الذي التزم به كل القادة العرب بقوة وهدوء أصبحت المهمة الأساسية الآن توحيد الصف الفلسطيني، وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية، وتصحيح العلاقات بين فتح وحماس، وتهيئة الفرصة لتهدئة الوضع في قطاع غزة بما يضمن أن تكون الأولوية المطلقة لتوحيد الصف الفلسطيني وإنهاء انقسام غزة عن الضفة الغربية، والحفاظ على وقف إطلاق النار في القطاع ومنع كل صور العنف بما في ذلك إطلاق البالونات الحارقة. في إطار هذه الأولويات الجديدة نجحت مصر في منع الإسرائيليين من اجتياح إسرائيلي جديد لقطاع غزة وتثبيت وقف إطلاق النار والإبقاء على معبر رفح مفتوحاً كونه المعبر الوحيد إلى العالم الخارجي، كما أكد الرئيس عبدالفتاح أن من ثوابت سياسات مصر الخارجية أن ترفض مصر أي تحركات يرفضها الشعب الفلسطيني وتقبل فقط بما يراه الفلسطينيون حقاً ثابتاً لهم، وكان وفد من منظمة فتح يرأسه عزام الأحمد قد وصل أمس الأول إلى القاهرة يحمل رد فتح على ورقة مصرية تتعلق بأهمية توحيد الموقف الفلسطيني، ويؤكد رد فتح موافقة السلطة الفلسطينية ممثلة في الرئيس محمود عباس على أن ترفع العقوبات المفروضة على قطاع غزة ويعود وزراء السلطة الفلسطينية إلى القطاع، والتفاوض مع حماس على تشكيل حكومة وحدة وطنية، ومشاركة حماس في اجتماعات منظمة التحرير ودمج حماس في مكاتب السلطة الفلسطينية في القطاع. وبالطبع تعرف مصر جيداً ومن واقع خبرتها أن الطريق طويل تعترضه مصاعب عديدة، وأن الأمر يتطلب المزيد من الإصرار على النجاح ودعم الحوار البناء بين فتح وحماس والتصميم المشترك على إنهاء القطيعة الجغرافية والأيديولوجية بين الضفة والقطاع، وإعطاء الأولوية المطلقة لوحدة الصف الفلسطيني، وتمارس المخابرات المصرية مسئولياتها كطرف أساسي في تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية انطلاقاً من أن إعادة توحيد الضفة والقطاع، واستمرار جهود المصالحة الفلسطينية أمران أساسيان يخدمان أهداف مصر الأمنية في شبه جزيرة سيناء، ويحققان مصالح الشعب الفلسطيني الذي يتوافر له الآن توافق عربي مهم على قبول كل ما يقبله الشعب الفلسطيني في إطار سلام شامل يستمد عناصره الأساسية من المبادرة العربية التي وافق العرب عليها في قمة بيروت، وأول شروطها قيام دولة فلسطينية على الأرض التي تم احتلالها عام 1976 عاصمتها القدس الشرقية.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري