ماذا يكون رد فعل جماعة الإخوان وكل جماعات الإرهاب وميليشيات الفوضى التي لا تزال تحكم عدداً من المواقع والمدن الليبية، إن ظهر المشير خليفة حفتر غداً أو بعد غد في مقره الرسمي في الرجمة خارج مدينة بنغازي شرق ليبيا عفياً يتمتع بكامل صحته قادراً على الاستمرار في الحكم، وهم الذين روجوا في العالم أجمع أنه يعاني تلفا في الدماغ يصعب إصلاحه أو علاجه، وأنه في حالة غيبوبة مستمرة ولن يكون طبيعياً مرة أخرى ! والأكثر احتمالاً أنه مات بالفعل موتاً سريرياً، لكنهم يتكتمون خبر موته إلى أن يتمكنوا من الاتفاق على شخصية مؤهلة تصلح لخلافته، يرجح المراقبون أن يكون رئيس أركان الجيش الوطني الليبي “عبدالرازق الناظوري” الذي تعرض لمحاولة اغتيال أخيرة نجا منها سالماً!، وإن كان الأكثر احتمالاً أن يتولى المسئولية بعد رحيل “حفتر” الجنرال “عبدالسلام الحاسي” الذي يحظى بدعم مصر والإمارات، رغم أن أسرة حفتر تُصر على أن يكون ابنه خالد الذي يقود أحد أكبر كتائب ليبيا هو الذي يرث مكانة والده!، وأن رئيس مجلس نواب طبرق المستشار “عقيلة صالح” سارع إلى دولة الإمارات الثلاثاء الماضي للقاء ما سمى باللجنة المصرية الإماراتية قلقاً من ألا تكون «الطبخة» في مصلحته!؟
وماذا سوف تكون ردود أفعال خصوم حفتر من الإسلاميين المتشددين والميليشيات العسكرية في بعض أنحاء طرابلس ومصراته ودرنة، الذين صدقوا الإشاعة، ورتبوا أنفسهم على أن حفتر قد اختفى من المسرح السياسي الليبي، وأن الميليشيات يمكن أن تعيد سيطرتها على شرق ليبيا، وأن الجهود التي بذلها حفتر كي يكفل للجيش الليبي عناصر قواته وتتوحد المؤسسة العسكرية الليبية يمكن أن تندثر، وتعود ليبيا مرة أخرى إلى مربع الفوضى والفساد..، وأظن أن صدمة هؤلاء سوف تكون مضاعفة إن عرفوا أن المشير حفتر لم يكن يهتم كثيراً بتصحيح هذا السيل من الشائعات الذي ظل يكبر ويكبر دون نفي قاطع ربما ليضع أصحابها في مأزق صعب يجعلهم أضحوكة الجميع، لأن ما حدث بالفعل لحفتر لم يكن أكثر من نزلة برد مصحوبة بسعال شديد، لكن الشائعات جعلت منها سكتة دماغية مفاجئة، ورغم أن ممثل الأمم المتحدة “غسان سلامة” استطاع أن يتواصل مع حفتر في مستشفاه في باريس، وناقش معه الوضع العام في ليبيا، كما تواصل معه آخرون أكدوا أن حفتر يجري فحوصات طبية عادية، فإن الشائعة ظلت تكبر إلى أن صدق الجميع أن الرجل أُصيب بسكتة دماغية، وأن الجميع في ليبيا ومصر والإمارات مشغولون بقضية خلافته، خاصة أنه لا يوجد على المسرح الليبي شخص يملك الكاريزما التي يملكها حفتر، قادر على إنجاز التحالفات العسكرية والقبلية والسياسية التي أنجزها حفتر، يتمتع بثقة الشرق والغرب والجنوب الليبي، وتؤازره معظم قوى الغرب الدولية خاصة فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وروسيا، وهو الوحيد الذي يستطيع أن يضمن وحدة المؤسسة العسكرية الليبية، ويوحد شرق ليبيا تحت سلطة مركزية واحدة تحارب الإرهاب، وتُطهر شرق ليبيا من كل الميليشيات العسكرية والجهدية والعقائدية ويحمي مناطق البترول وحقوله وموانيه، ويحرس عملية الإنتاج لتصل إلى هذه المعدلات العالية.
وعلى امتداد الفترة الماضية قبل أن يذهب حفتر للعلاج في باريس، كانت علاقات التعاون والتفاهم المتبادل والقدرة على العمل المشترك بين حفتر وفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي تتوطد وتزداد ثقة متبادلة وتنجز أهدافاً ضخمة وكبيرة لعل أهمها وحدة الجيش الوطني الليبي، وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وكان الإثنان مشغولين تحت رعاية مصرية بسلسلة من الاجتماعات، هدفها الأول توحيد المؤسسة العسكرية وبناء جيش وطني واحد في الشرق والغرب والجنوب، وعلى امتداد عشرة أشهر عُقد أكثر من 60 جولة من المفاوضات بين العسكريين الليبيين من مختلف أنحاء البلاد، توافقوا جميعاً على خريطة توحيد المؤسسة العسكرية وإنشاء الجيش الوطني الواحد في مختلف ربوع البلاد، انطلاقاً من توافق حفتر والسراج على أن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية يُمثل الشرط الأساسي الضروري لأي استحقاقات أخرى في المجال السياسي، خاصة أن الرجلين حفتر والسراج توافقا منذ البداية على خضوع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية حاكمة تتمثل في المجلس الرئاسي. والأمر المؤكد أن مباحثات العسكريين من جميع أرجاء البلاد التي جرت على امتداد الأشهر العشرة الماضية في الشرق والغرب والجنوب من أجل تصميم الهيكل الأساسي للجيش الوطني الواحد نجحت في إنجاز مهمتها، وتوجت اجتماعها الأخير باجتماع رؤساء أركان الجيش الذي ساده الود والاحترام المتبادل والبُعد عن الانتماءات الجهوية والعقائدية والتوافق على طرق إدماج الميليشيات العسكرية في الجيش أو الأمن أو الجهاز الإداري المدني، كل حسب إمكاناته وتخصصه وفق قواعد واحدة تسري على الجميع، مع الحرص الشديد والرغبة المخلصة في سد كل الثغرات المحتملة، خاصة أن الذين شاركوا في هذه الاجتماعات يعتقدون أن توحيد المؤسسة العسكرية يُشكل النواة الصلبة للاتفاق السياسي، وقد شملت توافقات العسكريين الليبيين كيفية دمج الميليشيات العسكرية الأربع الكبرى الموجودة غرب ليبيا، خصوصاً ثوار طرابلس وقوة الردع وفق قواعد موحدة، وفي إطار بحث كل حالة على حدة حفاظاً على وحدة وتجانس المؤسسة العسكرية.
وربما يُشكل واحداً من أهم أسباب نجاح مصر في رعاية جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية أن الجيش الليبي الذي تشكل من المجاهدين الليبيين الذين حاربوا منذ أربعينيات القرن الماضي الاحتلال الإيطالي نشأ في مصر قبل استقلال ليبيا وكان مقره أبو رواش، وأن الأمم المتحدة والجامعة العربية ومعظم القوى الدولية كانت تُساند جهود مصر في دعم المؤسسة العسكرية الليبية وإعادة إمدادها بالعتاد والسلاح وما من شك أن ضمور الدور القطري في تأجيج الأوضاع الليبية إلى حد يكاد يتلاشى مع تلاشي تمويل الكيانات والأشخاص قد أسهم في سرعة الإنجاز، فضلاً عن أن عدداً من الدول الغربية بدأ مراجعة حساباته خاصة فرنسا والولايات المتحدة بعد أن أثبت المشير حفتر قدرته على تحقيق الاستقرار والحفاظ على وحدة الجيش الوطني والخلاص من الميليشيات المُسلحة شرق ليبيا والقضاء على كل جيوبها، ومن المؤكد أن جزءاً كبيراً ومهماً من النجاح يعود إلى طبيعة الشعب الليبي الذي يكره العنف والتطرف وينشد الاعتدال، وينزع في الأغلب إلى مسلك صوفي رقيق يرفض الشقاق والتناحر، ولا أدل على ذلك من الهبوط الضخم في شعبية جماعات الإخوان التي تكاد تندثر وتتلاشى، والرفض الكامل لقيادات العصابات المسلحة التي تحكمت طويلاً في مدن الغرب، اندثرت تماماً شخصيات من نوع المفتي السابق “صادق العزياني” الذي قاد التطرف في ليبيا، وأصبح “عبد الحكيم بلحاح” أحد أهم هذه القيادات في تركيا لا يجرؤ على العودة إلى طرابلس في ظروف وفاة والدته، وتسعى معظم الجماعات إلى إبراء ساحتها من التطرف خاصة بعد أن عايشوا عن قرب جماعات العائدين من سوريا والعراق أنصار داعش، الذين تدفقوا على ليبيا بعد هزيمة داعش، وفي تخطيطهم أن يجعلوا من ليبيا قاعدة جديدة لتنظيم داعش تهدد أمن مصر وتونس، خاصة أن معظم العائدين (6 آلاف مقاتل) وبنسبة تصل إلى 80 في المائة هم من التونسيين، يتمركز معظمهم في مدينة درنة على مسافة 80 كيلو متراً من الحدود المصرية، لكن الجيش الليبي يحاصرهم، يكاد يغلق عليهم كل المنافذ. وباستكمال المؤسسة العسكرية لجهود توحيدها في إطار دولة مدنية كي تصبح جيشاً وطنياً واحداً لكل ليبيا، ينفتح الطريق أمام المؤتمر الوطني الليبي الذي يُنظمه المبعوث الأممي “غسان سلامة”؛ لتحقيق المصالحة الوطنية الليبية بحيث تجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية العام القادم في إطار مسيرة وطنية يرعاها حفتر والسراج اللذان تتكامل جهودهما المشتركة وصولاً إلى الدولة الوطنية المدنية، حكومة واحدة وجيش واحد وقانونا واحدا يرعى الجميع.
لكن الدرس المستفاد من قصة حفتر وموته السريري يُعلمنا مرة أخري، أنه رُب ضارة يكون نفعها أكبر مما نتصور، لأن اختفاء حفتر على امتداد الأسابيع الماضية جعل الجميع يفطنون إلى خطورة غيابه وأهمية أن يكون حاضراً في الصورة، يرعى وحدة البلاد ووحدة المؤسسة العسكرية، ويضمن لليبيا طريقاً واضحاً يأخذها إلى الدولة المدنية بدلاً من فوضى الميليشيات التي تُمزق وحدة ليبيا وتُسيطر على أهم المدن الليبية، لقد كان الجميع يسأل خلال أسابيع الاختفاء أين حفتر، الغرب الذي فطن الآن إلى ضرورة استقرار ليبيا والولايات المتحدة وفرنسا اللتين صححتا موقفهما، والشرق الليبي الذي توحد تحت راية الجيش الوطني وطهر أرضه من جماعات العنف، وجنوب ليبيا وغربها اللذين يتوقان إلى وحدة الوطن الليبي.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري