لا نعرف حقا إن كان هناك بالفعل ما اصطلح الأمريكيون أخيرا على تسميته بصفقة القرن، إشارة إلى وجود رؤية أمريكية لمستقبل السلام في الشرق الأوسط ترسم حلا للصراع العربي الإسرائيلي وتنهي كل أوجه القضية الفلسطينية، تعتزم إدارة الرئيس ترامب القيام باستطلاع أخير حولها في رحلة يقوم بها إلى مصر والأردن والسعودية جارد كاشونير صهر الرئيس ترامب ورفيقه جرينبلات ممثل أمريكا في الشرق الأوسط، أم أن هذه الخطة قد تبخرت دخانا في الهواء بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي ترامب القدس عاصمة لدولة إسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في خطوة تعادي المصالح العربية والقانون الدولي، مؤكدا انحيازه الكامل لإسرائيل، الأمر الذي أدى إلى رفض الفلسطينيين أي وساطة أمريكية منفردة في قضية سلام الشرق الأوسط بعد أن ثبت انحياز الوسيط الأمريكي!
لكن الواضح أن جارد كاشونير وجرينبلات قد أتيا هذه المرة إلى الشرق الأوسط يسبقهما وعود كثيرة بأن الأمريكيين سوف يجمعون نصف مليار دولار من دول الخليج لإغراق غزة بأموال كثيرة، ثمة حديث عن محطة جديدة للكهرباء بدلا من المحطة الراهنة التي تعمل فقط أربع ساعات في اليوم، وثمة أحاديث أخرى عن مطار كبير وميناء لخدمة قطاع غزة يقوم على الأرض المصرية، وثمة أنباء غامضة عن تهدئة طويلة في القطاع وخطة مبيتة لإعلان دولة فلسطينية في غزة ترتبط بمصر على نحو غير واضح، أما مصير الضفة الغربية ومدنها العربية وكتلها الاستيطانية ونقاط استيطانها غير القانونية وغير المشروعة فمؤجل إلى حين آخر.
وما يزيد من غموض الصورة أننا لا نكاد نجد موقفا واضحا ومحددا من أي من أطراف القضية باستثناء محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية الوطنية الذي يرفض التعامل مع الأمريكيين منذ أن صدر قرار ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، يعتبر المشروع الأمريكي المتعلق بغزة وهما وخداعا هدفه فصل الضفة عن القطاع، كما يرفض محمود عباس على نحو قاطع قيام دولة فلسطينية في غزة لأن غزة لا تصلح أن تكون بمفردها دولة فلسطينية، وإن كان من المستحيل أن توجد دولة فلسطينية بدون قطاع غزة..، ولست في معرض مناقشة أفكار محمود عباس وإن كان معظمها مقبولا من الرأي العام العربي الذي لا يزال يعتبر أن المبادرة العربية تشكل في حد ذاتها حلا متكاملا لايجوز من بعدها أن يكون هناك نقاش عربي لرأي آخر؛ لأن المبادرة العربية من وجهة نظر عربية لا تزال قائمة ولا تزال صالحة لأن تكون مشروع سلام متكاملا وأي تهرب من المبادرة العربية هو في الحقيقة تهرب من مسئولية السلام، خاصة أن المبادرة تفتح أمام إسرائيل فرص سلام دائم وتعايش كامل مع العالم أجمع بما في ذلك العالمان العربي والإسلامي.
لقد انطلق رد الرئيس عبد الفتاح السيسي على أفكار جارد كاشونير ورفيقه جرينبلات من ثوابت مصر المؤكدة رفض قيام دولة فلسطينية يقتصر وجودها على قطاع غزة لأن ذلك يعني إهدار مصير الضفة الغربية وتركها لقمة سائغة لإسرائيل، والأمر الآخر الذي لاشك في أنه يدخل ضمن ثوابت الموقف المصري رفض التنازل عن أي بوصة من الأرض المصرية لأي طرف كان حتى وإن يكن الطرف الفلسطيني، وربما يقبل الذوق المصري أن يكون هناك ميناء مصري يقام على الأرض المصرية يخدم ضمن ما يخدم مصالح أهل قطاع غزة لكن المصريين يرفضون بصورة قاطعة أن يكون هناك ميناء فلسطيني على الأرض المصرية، والأمر الثالث الذي يشكل جزءا مهما من ثوابت مصر الأساسية إن مصر لا يمكن أن تقبل عودة الإشراف على قطاع غزة تحت إسم الإدارة المصرية؛ لأن نضالنا جميعا من أجل أن يتحمل الفلسطينيون مسئولية تقرير مصيرهم وليس من المعقول أو المقبول أن نعود إلى الوراء مرة أخرى وتعود الإدارة المصرية إلى قطاع غزة، خاصة أن القطاع الآن هو جزء لا يتجزأ من أرض فلسطينية وثمة سلطة وطنية فلسطينية هي المسئول الأول والأخير عن الأرض الفلسطينية.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري