لا نعرف بعد, ماذا يريد نائب الرئيس الأمريكي بنس على وجه التحديد من جولته الراهنة في الشرق الأوسط بعد صدور قرار الرئيس ترامب باعتبار القدس عاصمة لدولة إسرائيل, وهو القرار الذي رفضته مصر والعرب بالإجماع سواء أمام مجلس الأمن أو في الجمعية العامة بعد أن استخدمت واشنطن حق الفيتو. وربما يريد ترامب بهذه الزيارة التي تضم دولتين عربيتين لهما صلة قوية بقضية القدس, أن يؤكد للعالم إن علاقات أمريكا بالدولتين اللتين أحسنتا استقبال مبعوثه لا تزال قوية.. ولا ضرر ولا ضرار فما من أحد يريد علاقات متوترة مع الولايات المتحدة, لكن حسن الاستقبال لا يكفي وحده دلالة على أن كل شىء على ما يرام في علاقات الولايات المتحدة مع مصر والعرب, وبالنسبة لمصر على وجه الخصوص يعرف الجميع أن مصر كانت تأمل خيرا في الرئيس الأمريكي ترامب لأنه وضع الحرب على الإرهاب في سلم أولويات سياساته, وأعلن منذ اللحظة الأولى مساندته مصر التي تحارب الإرهاب بالفعل, كما أبدى ثقته في الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة, لكنها هى أيضا مصر التي رفضت قرار الرئيس الأمريكي الأحادي الجانب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل أمام مجلس الأمن, وهى التي صاغت مشروع القرار الذي حصل على موافقة كل الأعضاء الدائمين وغير الدائمين في المجلس, كما شاركت في الحشد الدولي لمشروع القرار الآخر الذي حصل على تأييد 129 دولة في الجمعية العامة, فضلا عن أنها هى أيضا مصر التي شهدت قبل أيام مؤتمر أزهرها الشريف لنصرة القدس بعد أن اعتذر فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب عن لقاء بنس غضبا من القرار الأمريكي بشأن القدس. ورغم الروايات الملفقة الكاذبة عن أن مصر تسعى جهدها في الخفاء لإقناع الفلسطينيين بقبول مدينة رام الله عاصمة للدولة الفلسطينية بدلا من القدس, فإن الهدف من هذه الرواية الواضحة الكذب التي تروج لها جماعة الإخوان هو تشويه صورة مصر في عملية ساذجة تنكر طلوع الشمس وسط النهار. ونقلت وكالة الأناضول عن مدير الشرق الأوسط في عمان إن نائب الرئيس الأمريكي جاء إلى مصر والأردن يستكشف دور الولايات المتحدة في عملية السلام بعد قرار القدس, وكيفية استئناف التفاوض المباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين , وربما يكون ذلك صحيحا لكن الإجابة عن هذه الأسئلة سوف تتحدد في ضوء ما يحمله نائب الرئيس الأمريكي من أفكار جديدة تساعد في استئناف التسوية السياسية أو تزيدها تعقيدا, وإن كان الواضح حتى الآن أن الزيارة لا تبشر كثيرا بالخير بعد أن قلص الرئيس الأمريكي ترامب المعونة الأمريكية لللاجئين الفلسطينيين إلى حدود 65 مليون دولار بدلا من 125 عقابا للفلسطينيين على موقفهم الرافض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل, ورفضهم استمرار الوساطة الأمريكية لأن الوسيط الأمريكي فقد نزاهته بانحيازه الأعمى لإسرائيل.
وأظن إن الرؤية العربية الجديدة لدور الوساطة لا تستبعد وجود الولايات المتحدة ضمن وساطة دولية جديدة تضم دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا وروسيا والصين لكن ثمة أنباء قوية أن نائب الرئيس الأمريكي يحمل معه اقتراحا بصفقة أمريكية لحل قضيةالصراع العربي تعرض مشروعا محددا من قبل الولايات المتحدة, تحددت عناصره في ضوء زيارات المبعوثين الأمريكيين جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب وجرينبلات مبعوثه إلى الشرق الأوسط ,لا مجال فيها للتفاوض وإن كان للعرب والفلسطينيين حق رفضها أو قبولها, لأنها مجرد صفقه يسميها ترامب صفقة العصر ويسميها الرئيس الفلسطيني محمود عباس صفعة العصر.
لكن ما أستطيع أن أقطع به في شأن هذه الزيارة والصفقة, أن القاهرة لديها قبل كل ذلك أسئلة مهمة وخطيرة إلى نائب الرئيس الأمريكي تتطلب مراجعة شاملة لكل عناصر الموقف مفادها, إن كانت واشنطن ترى في العلاقات الأمريكية المصرية تحالفا استراتيجيا, فما هى حدود هذا التحالف؟ وماهى طبيعة التزامات كل من الطرفين في هذا التحالف ؟!, وهل يدخل في إطار هذا التحالف قرار أحادي الجانب يحمل طابع المفاجأة لم يتم التشاور المسبق بشأنه, في واحدة من قضايا الحل النهائي لمشكلة الصراع العربي الإسرائيلي تتعلق بالقدس, وإذا كان الرئيس ترامب رأى أن يستبق الحل النهائي بقرار أحادي الجانب يعطي القدس للإسرائيليين ويعتبره القانون الدولي مثل العدم, فما الذي منعه من أن يصدر قرارا باعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية في إطار قدس موحدة يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود كي يصبح القرار أكثر توازنا وأكثر عدلا وأكثر قبولا من قراره المنعدم الذي يظل الطعن عليه قائما إلى يوم الدين مهما استند إلى قوة النفوذ الأمريكي.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري