عندما تعترف الصين بأن شراكة مصر تُشكل عنصراً مهما فى رؤيتها لعلاقاتها الجديدة مع إفريقيا، يساند ذلك موقع مصر العبقرى على ملتقى القارات الثلاث، ودورها التاريخى الحيوي فى القارة الإفريقية سواء خلال مرحلة التحرر من السيطرة الاستعمارية أو فى مهمتها الراهنة التي تجعلها المتحدث الأول باسم إفريقيا فى قضايا التغير المناخي والتنمية وإقامة علاقات عادلة بين الشمال والجنوب، وإحداث توازن مطلوب فى العلاقات بين دول المواد الخام والدول الصناعية المتقدمة، أو فى الحوار بين دول الجنوب بهدف تعزيز العلاقات التجارية داخل القارة الإفريقية، فإن ذلك يعني اعتراف الصين أهم الدول الناهضة وأكثر الاقتصاديات العالمية قوة ونفاذا بأن طريق الحرير إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا والعالم أجمع ينبغي أن يمر عبر مصر، لتصبح مصر طرفا ثالثا فى الشراكة الإفريقية الصينية. وعندما تعترف ألمانيا أكبر قوة اقتصاد أوروبية بحاجتها المستمرة إلى أن تتواصل مع دول القارة الإفريقية، تجد من صالحها أن يمر هذا الجسر عبر مصر وأن الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى لابد أن يكون طرفا في أي شراكة ألمانية إفريقية كي تكون شراكة مكتملة يتحقق لها النجاح، وما من شك أن مصر لم تحظ بهذه المكانة الفائقة لمجرد صدفة جغرافية جعلت موقعها على الطرف الشمالي الشرقي من القارة السمراء جسر تواصل مع القارات الثلاث عبر البحر الأحمر وقناة السويس أهم شرايين التجارة العالمية بين الشمال والجنوب.
لكن ما ينبغي ألا يغيب عن رؤية مصر، أن الأمر ليس مجرد موقع جغرافي عبقري ولكنه يتجاوز ذلك إلى الوظيفة والدور، وبقدر ما يتطلع الصينيون والألمان إلى مصر كجسر للاتصال مع إفريقيا، يتطلع الأفارقة إلى مصر كي تنهض بهذا الدور الذي يجعل إفريقيا في بؤرة الاهتمام العالمي يسعى الجميع إلى التشارك معها، لأن مصر هي القادرة على الربط الكهربائي بين إفريقيا والعالم ولأن الكهرباء التي يمكن أن تنتجها إفريقيا من مساقطها المائية المتعددة لابد أن تعبر شمالا إلى مصر كي تصل إلى أسواق أوروبا وآسيا، وفضلا عن ذلك فإن سكك حديد مصر التي تصل إلى ساحل المتوسط شمالاً يمكن أن تتكامل مع سكك حديد السودان، وهو الأمر الذي كان مخططا لاكتماله منذ زمن بعيد لكن تم إهماله، بما يعنى إمكان أن تصل سكك حديد مصر إلى عمق وجنوب إفريقيا عبر سكك حديد السودان بما ينقل تجارة إفريقيا إلى المتوسط، ويختصر الطريق بين أسواق إفريقيا وأسواق أوروبا، وربما تكون المهمة الثالثة التي تستطيع أن تضطلع بها مصر، تحويل نهر النيل إلى شريان يعزز علاقات التواصل في القارة السمراء ويربط بين جنوبها وشمالها، ويعبر بمصالح إفريقيا شمالا حتى سواحل المتوسط. ولو أن مصر كرست جهدها الإفريقي في المرحلة القادمة لتعزيز مشروعات الربط الكهربائي والسكك الحديدية المشتركة إلى عمق القارة السمراء واستثمار نهر النيل كي يكون أطول شريان تجارى يربط جنوب إفريقيا بشمالها وصولاً إلى ساحل المتوسط لتغيرت كثيرا أوضاع مصر وإفريقيا، واتسع نطاق التجارة الدولية ليشمل رقعة عريضة من عالمنا تمتد من الصين إلى أوروبا، ومن المؤكد أن هذا الطموح العالمي ليس من قصص الخيال العالمى ولكن حلم عظيم جد واقعي، يمكن أن تساعد مصر على تحقيقه كي يصبح واقعا ملموسا في غضون سنوات معدودات يغير مجريات عالمنا إلى الأفضل والأحسن والأكثر اكتمالا. وإذا كان تعميق التواصل بين ألمانيا وإفريقيا عبر مصر يُشكل أحد أهداف زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى برلين، فإن هدف الزيارة الثاني المتعلق بتعميق علاقات التعاون الاقتصادي والتجاري مع مصر يزداد كل يوم ازدهارا بارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 6 مليارات دولار لتصبح مصر ثالث شريك لألمانيا في الشرق الأوسط وهو يلقى حماس المستشارة الألمانية ميركل التي تحظى بمساندة مصر وتأييدها في كل خياراتها الصعبة الراهنة حفاظا على وحدة أوروبا وقوتها وقرارها المستقل.
الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري