ما الذي يريده السلفيون من التحريض على منع تعليق زينة رمضان وشراء الفوانيس وكل مظاهر الفرح والبهجة التي تصحُب مجيء الشهر الكريم كل عام، والتي أصبحت بمرور الزمن جزءاً من عادات وتقاليد المصريين في شهر رمضان يجعل لهذا الشهر الكريم بهجة خاصة، تدعو العرب والمسلمين إلى المجيء إلى مصر خلال هذا الشهر الكريم، بما يساعد على إنعاش الاقتصاد وتبادل المنافع وزيادة التعارف بين الأمم والشعوب، وقد كان التعارف والتواصل بين الأمم والشعوب واحداً من الأهداف النبيلة العليا التي حض عليها الإسلام؛ لأن الإسلام في جوهره ليس دين عزلة ولكنه دين تواصل ومحبة.
وما الذي يسىء إلى السلفيين إذا استقبل المصريون شهر رمضان بفرح غامر، وما الذي يضايقهم إن خرج أطفال مصر مع بداية الشهر الكريم يُغنون كما كان يُغني أسلافهم من قديم الأزل (وحوي يا وحوي وحالوا يا حالوا)، وهل تسيء إلى الإسلام هذه الأغنيات الجميلة التي يسمعها الناس فيبتهلون فرحاً بالشهر الكريم! . ولماذا يتهلل وجه المصريين بشراً وهُم يسمعون في رمضان صوت عبدالمطلب يصدح بهذه الأغنية الرائعة (رمضان جانا وفرحنا به) التي أصبحت أمارة على مجيء شهر رمضان، مثلما يخشعون ويسّرون عندما يسمعون صوت الشيخ رفعت وهو يؤذن في مغرب رمضان، وإذا كان السلفيون يفهمون أن الجهامة والغلظة هي الإسلام فبئس هذا الفهم غير الصحيح؛ لأن الإسلام يدعو إلى مسرة القلب والفؤاد ولأن الرسول الكريم لم يكن جهماً ولكنه كان عطوفاً بشوشاً صاحب بشر منفتح الأسارير.
لقد أرهقتنا كثيراً فتاوى السلفية التي لا محل لها من الإعراب وكثيراً ما تتنكب الطريق الصحيح لفهم هذا الدين السمح الذي لا يشاده أحد إلا غلبه وكان دائماً دين يُسر ورحمة..، وعندما يصدر السلفيون فتوى يعتبرونها شرعية بأن تعليق الزينة في رمضان حرام، فهي باليقين فتوى كاذبة لأن الإسلام لا يعادي البهجة والسرور، وعندما يتزيدون القول ويحّرمون أغاني رمضان؛ لأنها تنطوي على قدر من الموسيقى فهم يثبتون جهالتهم لأن الموسيقى ترقى بالمشاعر وبها تشف نفس الإنسان وتعلو، ولأن الإسلام لم يحرم الموسيقى أو الغناء، وقد نظم أهل المدينة يوم مجىء الرسول أغنية ذات إيقاع بسيط وجميل (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع)
ولأن فتاوى السلفيين مشكوك في مصداقيتها فإن واحداً من واجبات دار الإفتاء أن تراجع هذه الفتاوى؛ لأن المصريين اصطلحوا على أن الأزهر والإفتاء وهيئة كبار العلماء هم المنوط بهم وحدهم إصدار الفتاوى الشرعية الصحيحة، والمؤسف أن يتجرأ السلفيون على القول بأن الموسيقى حرام شرعاً في رمضان وهو قول غير صحيح؛ لأن الموسيقى هي أرقى الفنون التي عرفها ومارسها الإنسان خاصة عندما تكون نغماً مجرداً، وأظن أنها نشأت وتطورت في كنف الدين، والأمر الذي لا شك فيه أن قراءة القرآن ترتيلاً وتجويداً تنطوي على نوع من الموسيقى تتنوع مع تنوع القراءات، وتُكسب السامعين خشوعاً، ومع الأسف لا يرى السلفيون في الموسيقى سوى أنها مجرد بدعة وضلالة!.
ومنذ أن اعتبر السلفيون أنفسهم حزباً بديلاً عن جماعة الإخوان ووقر في نفوس غالبيتهم أنهم الوريث لدور هذه الجماعة، زاد انحراف أفكارهم كما زادت فتاواهم تعصباً وتطرفاً إلى حد تحريض المسلمين على أن يمتنعوا عن تهنئة أشقائهم الأقباط بأعيادهم بما ينطوي على قدر واضح من التعصب والكراهية وتقسيم المجتمع المصري إلى نحن وهُم! ولست أعرف ما الذي يبرر لجماعات السلفيين أن تتحدث وكأنها حزب سياسي رغم أن الأحزاب الدينية غير مشروعة بحكم الدستور والقانون..، أفهم أن يكون من حق كل سلفي أن يعتقد ما يراه صحيحاً في إطار حق كل مواطن في حرية الرأي والتعبير، لكن عندما يتحدث السلفيون كحزب ديني عقائدي يرفضون تهنئة أشقائهم المصريين الأقباط بأعيادهم ويحرمون البهجة وتعليق الزينة في رمضان وهي جزء من هوية مصر الثقافية، ويرون أن الدين هو الغلظة والجهامة فإنهم بذلك يمارسون عملاً حزبياً سياسياً خارجاً على القانون يعمل لشق الوحدة الوطنية، وهذا ما لا يجوز السماح به لأنه يُشكل خطراً حقيقياً على وحدة البلاد وهويتها الثقافية والدينية خاصة أنهم يتصرفون كحزب سياسي!.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري