في إطار رؤيته لسياسة أمنية نووية جديدة تعطي الولايات المتحدة المزيد من القدرة على مواجهة التقدم النووي الروسي، ومروق كوريا الشمالية الشديد التي تتحدى الجميع، لأنها باتت تملك قدرة نووية وصاروخية يمكن أن تستهدف العاصمة الأمريكية واشنطن، أو أيًا من المدن الواقعة على أرض الولايات المتحدة، أعلن الرئيس الأمريكي ترامب قبل يومين عن الخطوط العريضة لسياساته النووية الجديدة التي تركز على توسيع وتطوير ترسانة أمريكا النووية «7 آلاف رأس نووي»، وبناء قدرة نووية تكتيكية قوامها أسلحة نووية منخفضة القدرة، يمكن استخدامها في الميدان، ويمكن إطلاقها من الغواصات النووية أو يحملها صاروخ نووي منخفض القدرة أو قاذفات جوية يمكن أن يتوسع انتشارها، بدلًا من القدرات النووية العالمية المخزونة داخل ترسانات يتعذر على كل الأطراف النووية استخدامها، والواضح أيضًا أن الأولوية في الوثيقة الأمنية النووية تكمن في الاستعداد النووي الأمريكي لمواجهة روسيا والصين وليس الحرب على الإرهاب ! .
ويؤكد الروس إن الوثيقة الأمريكية الجديدة تستهدفهم أولًا، وتعيد سباق التسلح إلى ذراه بدلًا من خفضه، وتوجه اتهامات غير صحيحة للروس، بينما تتعامل روسيا بحيدة ومسئولية مع التزامها الكامل بكل الاتفاقات التي تم توقيعها، وكذلك الصين التي تعترض على الوثيقة الجديدة لأن السلام والتنمية أصبحا التوجهين الأساسيين في العالم أجمع، لا ينبغي الرجوع عنهما إلى مناخ الحرب الباردة وسباق التسلح، وأن على الولايات المتحدة التي تملك أكبر ترسانة نووية في العالم، أن تضطلع بمسئولياتها في خفض التسلح ونزع السلاح النووي بدلًا من توسيع وتطوير ترسانتها النووية .
ويُحّمل الأوروبيون الروس جزءًا مهمًا من مبررات صدور الوثيقة الأمريكية الجديدة، بسبب احتلالهم جزيرة القرم الذي أفقدهم ثقة الجميع، وإن كان الأوروبيون لا يرون الحل الصحيح في العودة إلى سباق التسلح، وأكثر الدول انزعاجًا من سياسات ترامب الجديدة هى الروس والصين وكوريا الشمالية وإيران التي تعتقد أن العالم بات أقرب إلى الفناء في وجود الوثيقة الأمريكية الجديدة التي تشبع استخدام القدرة النووية في الحرب، بينما تؤكد الولايات المتحدة إن إيران تتبع سياسة مخادعة، لأنها لا تزال تحتفظ بكل قدراتها التكنولوجية التي تمكنها من صنع سلاح نووي بعد عام واحد من صدور قرارها بذلك، فضلًا عن مواصلة إيران الاستثمار في الأسلحة البيولوجية والكيماوية ! .
وربما تكون كوريا الشمالية أكثر الأطراف الدولية تضررًا من الوثيقة الأمنية الجديدة، لأن الوثيقة تحمل تحذيرًا صارمًا لكوريا الشمالية، يتمثل في وجود قوة ردع نووية ذات قوة تفجيرية منخفضة لا تدخل ضمن أسلحة الدمار الشامل، يمكن استخدامها في ضربات استباقية لمنع نشوب حرب نووية متوقفة، ويمكن استخدامها أداة ردع وعقاب لأي عمليات هجوم من كوريا الشمالية، والواضح أيضًا أن الوثيقة الأمريكية مهما اختلفت الآراء حول خطورتها الاستراتيجية على الأمن والسلم الدوليين، تفتح الأبواب على مصاريعها لسباق جديد في التسلح النووي بدلًا من خفضه ومنع الانتشار النووي .
والواضح أيضًا أن الوثيقة الجديدة تحظى بمساندة قوية من جانب جمهور الناخبين الأمريكيين البيض المتحمسين لسياسات ترامب، لكن المؤكد أن الرئيس ترامب قد خسر تمامًا نصف أمريكا الآخر من غير البيض الذين يشكلون نصف المجتمع الأمريكي، والواضح أخيرًا إن الرئيس الأمريكي يتجاهل محددات واضحة جديدة تضع سقفًا لطموحات أمريكا النووية يصعب تجاوزه، أهمها أن موازين القوة في العالم قد اختلفت على نحو جذري بنمو عدد من الاقتصاديات الدولية أهمها الصين وروسيا والهند والبرازيل تُحد كثيرًا من طموحات أمريكا النووية التي تُنفق الآن أكثر من 716 مليار دولار على الدفاع بزيادة سنوية تربو على 7 في المائـة، بينما تعاني من عجز في الموازنة تتجاوز قيمته 660 مليار دولار سنويًا، تراكمت ديونه إلى أن بلغت حدود 20 تريليون دولار، تكتتب الصين في سنداته بأكثر من تريليون دولار، بما يشير إلى حجم التداخل الهائل بين اقتصاديات أمريكا والصين الذي يجعل المواجهة بينهما أمرًا صعبًا عالي التكلفة إلى حد الاستحالة.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري