شكة قلم.. أكذوبة الإعلام المستقل !

بقلم عبدالقادر شهيب

هناك أكذوبة أفرطنا في ترديدها لدرجة أن بعضنا صدقها واعتبرها حقيقة ، وهى أكذوبة الإعلام المستقل .
لا يوجد إعلام مستقل في العالم كله وليس في بلادنا وحدها .. الإعلام في كل أنحاء العالم يعبر عن مصالح من يملكه ، سواء كان هذا المالك شخصاً أو مؤسسة أو حزباً أو حكومة أو أحياناً الأكذوبة جهاز مخابرات !
والذين اخترعوا لنا هذه وروجوها بيننا لخداعنا هم أول من يعترفون بذلك .. يعترفون بتصرفاتهم وليس كلامهم .. بمواقفهم وليس بألسنتهم !
لقد أعدت الكاتبة البريطانية الشهيرة (فرانسيس ستونر سوندرز) دراسة استغرقت أكثر من أربع سنوات وشملت لقاءات مع نحو ٥٢ عميلاً من العملاء والمسئولين السابقين في وكالة المخابرات الأمريكية المركزية ، فضلاً عن تحليل عشرات من الوثائق، ومئات من الإصدارات الصحفية ، والثقافية ، وبلغت مصادرها أكثر من ١١٢٠ مصدراً اعتمدت عليها في توثيق ما قدمته في هذه الدراسة .
ونشرت هذه الدراسة في كتاب حملت طبعته الأولى عنوان: ( من يدفع للزمار؟!) والزمار المقصود به هنا:- الفنان والمبدع أو الكاتب أو الصحفي والإعلامي .. بينما حملت طبعته الثانية عنواناً أكثر شمولاً وأكثر دقة لما حدث بالفعل هو (الحرب الثقافية) .. ويؤكد الكتاب كيف أن أصحاب مقولة الإعلام المستقل يدركون أن تلك المقولة أكذوبة .. فهو يكشف أن الممول والمالك للإصدارات الصحفية والثقافية والمؤسسات الإعلامية هو الذي يحدد سياستها ويوجهها بما يحقق مصالحه أو ينسجم معها .. بالوقائع والحقائق والمعلومات الغزيرة يكشف الكتاب كيف سعت ونجحت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في اختراق صفوف المثقفين والمفكرين والمبدعين والفنانين والإعلاميين في كثير من بلاد العالم ، والإغداق عليهم بأموالها – عبر منظمات أخرى – لتوظيفهم وتوجيههم لنشر الأفكار والثقافة الأمريكية ، وتقويض أركان أي ثقافات أخرى اعتبرتها وكالة المخابرات المركزية معادية ، وذلك بغرض التسلل إلى العديد من المجتمعات وتوجيه سياساتها من خلال استخدام مثقفيها وإعلامييها والتحكم في انتخاباتها ، والسيطرة على حكامها ، سواء بضمان تأييد المثقفين والإعلاميين في هذه المجتمعات للحكام الذين ترضى عنهم ، أو بتحريض المثقفين ضد الحكام الذين يناوئون السياسات الأمريكية ، أو حتى لا ينصاعون بشكل كامل لواشنطن .
وما فضحته الكاتبة البريطانية بالوثائق والوقائع والحقائق والمعلومات التي جمعتها خلال أربع سنوات ، وما تؤكده أجهزة ووسائل الإعلام الأمريكية والغربية كل يوم حتى الآن بموافقتها وتصرفاتها ، رغم أن البعض منا ظل يعتبر الإعلام الأمريكي والغربي هو النموذج والقدوة التي يجب أن تُحتذى منا ويتعين أن نحاكيها حتى نرتفع بمستوى وكفاءة إعلامنا !.. لكن تشاء الأقدار أن تفضح هذه الممارسات والتصرفات التي تؤكد لنا أنه لا يوجد إعلام مستقل في العالم كله ، وإنما الإعلام يعبر عمن يملكه ومن يموله سواء بشكل مباشر أو عن بعد ، أي غير مباشر .
وليست فضيحة الادعاء بامتلاك العراق أسلحة نووية وكيميائية ببعيدة للأذهان ، وهى الأكذوبة التي روجت لها واشنطن وعدد من حلفائها الغربيين عبر وسائل إعلامها (المستقلة!) وبمساعدتها شهوراً طويلة لتبرر غزوها للعراق .. ولم يجد الأمريكيون والأوربيون الذين روجوا لهذه الأكذوبة في نهاية المطاف سوى أن يعترفوا بالجريمة التي اقترفوها في حق العراق وبأن ما روجوه لتبرير غزوه ، مستخدمين فيها الإعلام كان أكذوبة محبوكة الصنع !
أما الفضيحة التي صنعها ساسة أمريكيون وغربيون وروج لها الإعلام الأمريكي والغربي ولم يعترفوا بعد بأنهم ارتكبوها أو خططوا ورتبوا لها، فهي فضيحة دعمهم ومساندتهم لجماعة الإخوان ليس لتصل إلى حكم مصر ، وإنما لتقبض على ناصية الحكم في العديد من دولنا العربية ، بادعاء أنها ستكون حائط صد أمام جماعات العنف والإرهاب تحميهم من عنفها وإرهابها .. فما زالت هناك وسائل إعلام أمريكية وغربية تدافع بحرارة وتذرف الدموع على الإخوان وتتصدى لأية محاولات أو مجرد تفكير لاعتبار جماعتهم إرهابية أو للتوقف عن دعمهم أمريكياً وأوروبياً مالياً ولوجستياً ومنحهم ملاذاً آمناً ، بل وتمكينهم من منصات إعلامية يطلقون منها قذائف هجومهم علينا .. فهل هذا إعلام مستقل ؟!.. بل هل هذا إعلام مهني يعتصم بمبادئ وأسس المهنية ؟ .. إنه إعلام يُجرم في حقنا ولا يريد الخير لنا .

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *